Civil Engineer
18-08-2004, 10:26 PM
http://www.altshkeely.com/2003/architecture2003/butty_islam.gif
د. علي الثويني
الحلقة الثانية
ساد الاعتقاد حتى اليوم أن علم الجمال هو إغريقي الأصل وأوربي الفصل قفز إليها فجأة إبان قرون التنوير، ولقد فات الجميع أن العلوم تضمحل، إن لم تجد لها ديمومة قبل أن يغمرَها النسيان، وقد تناسوا بقصد مثلما هو في شؤون الفكر الأخرى بأن المسلمين لم يكن لهم اهتمام بذلك بالرغم من المشاهدات الملموسة على سمو الجانب الحسي المقترن بفنونهم و معالجاتهم الزخرفية الغنية، ناهيك عن دَفَق الفكر الفلسفي الديني والدنيوي في شوطٍ بين الغزالي وابن رشد ، وأفكار المعتزلة ورسائل أخوان الصفا، التي جاءت تبحث في تفاصيل فلسفية للأشكال الهندسية وتشرح لحوصلة العلوم الراقية التي وطأتها الحضارة الإسلامية في القرن العاشر الميلادي.
وقد ثبـّت (هيغل) تلك الصورة السقيمة عن علم الجمال الإسلامي من خلال وجهة نظره في بعض الإنجازات الشحيحة التي اقترنت "بالشعر الصوفي والزخرفة وبعض العلوم الدينية فقط" ، وتبعه رهط كبير ممن أرسى فكرة هيغل في "تكريس الوحدة الإلهية" في علم الجمال الإسلامي، وهم بذلك لم يسبروا غور المدارس الفقهية والفكرية للفنون الإسلامية، وقد سرى مفعول ذلك حتى على "المتنورين" من أصحابنا الذين نقلوا دون أن يعقلوا.
http://www.altshkeely.com/2003/architecture2003/butty_islam3.jpg
وقد وجدنا تعليق بهذا الخصوص للمستعرب الأسباني المسلم (خوزيه ميغيل بويرتا) الذي ولج المضمار بعد أن استهجن أساتذته ُعليه الخوض في علم لم يولد بعد في الفلسفة الإسلامية ، وقد علق على ذلك (كيف توجد فلسفة وفلاسفة ودين وحضارة عميقة وفن عربي ،لا نزال ننبهر أمامَه في مدننا وفي كل العالم، وكيف لا توجد مفاهيم أو تعاريف عن الجمال . لقد تطلب مني ذلك أن أقرا كلَ ما ورد في التراث من القرآن الكريم حتى الشعر الجاهلي وما كتبه فلاسفة الشرق الكندي والفارابي ومسكويه والتوحيدي ).
وعودة إلى كنه "الجمال" في تراث الإسلام، حيث جاء مقترنا بإحدى صفات الله سبحانه، كما ورد في الحديث النبوي الشريف (الله جميل ويحب الجمال) وجاءت الحظوة به من مصادرها الصريحة في جمال الخلق والإنسان وجمال الطبيعة والكون التي أنعم الله سبحانه بها على البشر. وقد عرف لنا (ابن منظور) ذلك في لسان العرب: (المسلم مدعو إلى الإنصاف بالجمال الذي هو البهاء والحُسن في العقل وفي الخلق والى تنمية إحساسه بالجمال الذي أودعه الله سبحانه في الكون جمال الصورة وجمال المعاني على حد سواء).
فالحظوة بالجمال جاءت من ألوهية مبدعه حيث يقول محمد قطب عن القرآن الكريم (هذا الكتاب لا يمكن بحال أن يكون معادياً للفن ). ويقول في ذلك د.محمد عمارة (الجمال هي آيات الله التي أبدعها وبثها في هذا الكون وأمر الإنسان أن ينظر فيها، إذن فالنظر في هذا الجمال والاستقبال لآيات الزينة وفتح قنوات الإحساس الإنساني على صنع الله هذا هو امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، وما تعطيل النظريات في آيات الجمال هذه إلا تعطيل للدليل على وجود المبدع لهذه الآيات) .
وفي تقصي رسائل أخوان الصفا أو مناهج الصوفية نجد للجمال شروحا ورأيا يمكن اعتباره منهجا جماليا إسلاميا ارتبط بفهم العقيدة العقلي والأخلاقي، فقد اقترن رأي الإمام أبي حامد الغزالي بان بناء الهم الأخلاقي الموحد على أساس وقيم ومعالم التخلق بأخلاق الله (المطلق) هو بالقدر ذاته رؤية الجمال الحق والتحلي به، وهي المقدمة التي تحوي في ذاتها وحدة الخير المحض والجمال المحض. وبهذا يكون الإمام الغزالي فسح المجال أمام تنوع أشكال الجمال وتباين درجاته أو نسبية تجلياته ومطلق مثاله، واعتبر أن ( لكل شيء كما لا يَليق به وقد يَليقُ بغيره ضده، فان حَسُنَ كلُ شيء في كماله الذي يَليقُ به، وبالتالي فان جمال الأشياء في كمالها الذاتي وكمالها في وحدتها مع ذاتها في ذاتها). مما أسس بدوره لإمكان محبة الجميل والجمال في الوجود عموماً، بما في ذلك في الحسيات تماما بالقدر الذي حولها إلى مقدمة أو إلى درجة منفية فيما هو أكثر سموا ورفعة في جماله وخصوصا في الإدراك العقلي لحقائق الجمال أو الجمال الباطن، ومن هنا رجوع جمال صفات العارفين إلى (علمهم بالله وقدرتهم على إصلاح أنفسهم وإصلاح العباد بالإرشاد والسياسة والتنزه عن الرذائل).
حددت هذه النتيجة جوهرية الجمال الأخلاقي في منظومة الغزالي الفكرية وضرورة تحققها الدائم بصفات المطلق العلمية (العلم) والعملية (القدرة)، أي بكل ما يجعَلهُ يحب الجمال من الموجودات ويزنها بميزان الإرادة المتسامية، محبة الجمال في كل شيء ولو في خلوته وحتى في سور داره، وليست هذه بدورها سوى الصيغة الملموسة لمحبة الجميل بذاته ولذاته ، أو كل ما تحدده رؤية الوحدانية الحقة ، و كل ما يتطابق في جوهره مع محبة الواحد الحق(المطلق) وكل ما يعطي للجمال معناه الدائم في تجليات الوجود من حياة وموت وفناء وبقاء.
http://www.altshkeely.com/2003/architecture2003/butty_islam4.jpg
ووردت صيغة أخلاقية لممارسة الجمال تدعى (التجمل) نجدها في ثنايا شعر ينسب للإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه في وصيته لابنه الحسن:
ولا ترّين الناس إلا تجملاٌ نبآ بك دهر أو جفاك خليلُ
ويتعدى المعنى الوصية الشخصية المباشرة إلى كونه خطاب وممارسة اجتماعية جمالية تتداخل مع مفهوم ٍ نفسي للتربية الإسلامية النابذة لنزعات الغرائز وسلطان النزوات وانقلاب الأمزجة، الصادر من الذات إلى الموضوع.
إلى اللقاء في الحلقة الثالثة ....
د. علي الثويني
الحلقة الثانية
ساد الاعتقاد حتى اليوم أن علم الجمال هو إغريقي الأصل وأوربي الفصل قفز إليها فجأة إبان قرون التنوير، ولقد فات الجميع أن العلوم تضمحل، إن لم تجد لها ديمومة قبل أن يغمرَها النسيان، وقد تناسوا بقصد مثلما هو في شؤون الفكر الأخرى بأن المسلمين لم يكن لهم اهتمام بذلك بالرغم من المشاهدات الملموسة على سمو الجانب الحسي المقترن بفنونهم و معالجاتهم الزخرفية الغنية، ناهيك عن دَفَق الفكر الفلسفي الديني والدنيوي في شوطٍ بين الغزالي وابن رشد ، وأفكار المعتزلة ورسائل أخوان الصفا، التي جاءت تبحث في تفاصيل فلسفية للأشكال الهندسية وتشرح لحوصلة العلوم الراقية التي وطأتها الحضارة الإسلامية في القرن العاشر الميلادي.
وقد ثبـّت (هيغل) تلك الصورة السقيمة عن علم الجمال الإسلامي من خلال وجهة نظره في بعض الإنجازات الشحيحة التي اقترنت "بالشعر الصوفي والزخرفة وبعض العلوم الدينية فقط" ، وتبعه رهط كبير ممن أرسى فكرة هيغل في "تكريس الوحدة الإلهية" في علم الجمال الإسلامي، وهم بذلك لم يسبروا غور المدارس الفقهية والفكرية للفنون الإسلامية، وقد سرى مفعول ذلك حتى على "المتنورين" من أصحابنا الذين نقلوا دون أن يعقلوا.
http://www.altshkeely.com/2003/architecture2003/butty_islam3.jpg
وقد وجدنا تعليق بهذا الخصوص للمستعرب الأسباني المسلم (خوزيه ميغيل بويرتا) الذي ولج المضمار بعد أن استهجن أساتذته ُعليه الخوض في علم لم يولد بعد في الفلسفة الإسلامية ، وقد علق على ذلك (كيف توجد فلسفة وفلاسفة ودين وحضارة عميقة وفن عربي ،لا نزال ننبهر أمامَه في مدننا وفي كل العالم، وكيف لا توجد مفاهيم أو تعاريف عن الجمال . لقد تطلب مني ذلك أن أقرا كلَ ما ورد في التراث من القرآن الكريم حتى الشعر الجاهلي وما كتبه فلاسفة الشرق الكندي والفارابي ومسكويه والتوحيدي ).
وعودة إلى كنه "الجمال" في تراث الإسلام، حيث جاء مقترنا بإحدى صفات الله سبحانه، كما ورد في الحديث النبوي الشريف (الله جميل ويحب الجمال) وجاءت الحظوة به من مصادرها الصريحة في جمال الخلق والإنسان وجمال الطبيعة والكون التي أنعم الله سبحانه بها على البشر. وقد عرف لنا (ابن منظور) ذلك في لسان العرب: (المسلم مدعو إلى الإنصاف بالجمال الذي هو البهاء والحُسن في العقل وفي الخلق والى تنمية إحساسه بالجمال الذي أودعه الله سبحانه في الكون جمال الصورة وجمال المعاني على حد سواء).
فالحظوة بالجمال جاءت من ألوهية مبدعه حيث يقول محمد قطب عن القرآن الكريم (هذا الكتاب لا يمكن بحال أن يكون معادياً للفن ). ويقول في ذلك د.محمد عمارة (الجمال هي آيات الله التي أبدعها وبثها في هذا الكون وأمر الإنسان أن ينظر فيها، إذن فالنظر في هذا الجمال والاستقبال لآيات الزينة وفتح قنوات الإحساس الإنساني على صنع الله هذا هو امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، وما تعطيل النظريات في آيات الجمال هذه إلا تعطيل للدليل على وجود المبدع لهذه الآيات) .
وفي تقصي رسائل أخوان الصفا أو مناهج الصوفية نجد للجمال شروحا ورأيا يمكن اعتباره منهجا جماليا إسلاميا ارتبط بفهم العقيدة العقلي والأخلاقي، فقد اقترن رأي الإمام أبي حامد الغزالي بان بناء الهم الأخلاقي الموحد على أساس وقيم ومعالم التخلق بأخلاق الله (المطلق) هو بالقدر ذاته رؤية الجمال الحق والتحلي به، وهي المقدمة التي تحوي في ذاتها وحدة الخير المحض والجمال المحض. وبهذا يكون الإمام الغزالي فسح المجال أمام تنوع أشكال الجمال وتباين درجاته أو نسبية تجلياته ومطلق مثاله، واعتبر أن ( لكل شيء كما لا يَليق به وقد يَليقُ بغيره ضده، فان حَسُنَ كلُ شيء في كماله الذي يَليقُ به، وبالتالي فان جمال الأشياء في كمالها الذاتي وكمالها في وحدتها مع ذاتها في ذاتها). مما أسس بدوره لإمكان محبة الجميل والجمال في الوجود عموماً، بما في ذلك في الحسيات تماما بالقدر الذي حولها إلى مقدمة أو إلى درجة منفية فيما هو أكثر سموا ورفعة في جماله وخصوصا في الإدراك العقلي لحقائق الجمال أو الجمال الباطن، ومن هنا رجوع جمال صفات العارفين إلى (علمهم بالله وقدرتهم على إصلاح أنفسهم وإصلاح العباد بالإرشاد والسياسة والتنزه عن الرذائل).
حددت هذه النتيجة جوهرية الجمال الأخلاقي في منظومة الغزالي الفكرية وضرورة تحققها الدائم بصفات المطلق العلمية (العلم) والعملية (القدرة)، أي بكل ما يجعَلهُ يحب الجمال من الموجودات ويزنها بميزان الإرادة المتسامية، محبة الجمال في كل شيء ولو في خلوته وحتى في سور داره، وليست هذه بدورها سوى الصيغة الملموسة لمحبة الجميل بذاته ولذاته ، أو كل ما تحدده رؤية الوحدانية الحقة ، و كل ما يتطابق في جوهره مع محبة الواحد الحق(المطلق) وكل ما يعطي للجمال معناه الدائم في تجليات الوجود من حياة وموت وفناء وبقاء.
http://www.altshkeely.com/2003/architecture2003/butty_islam4.jpg
ووردت صيغة أخلاقية لممارسة الجمال تدعى (التجمل) نجدها في ثنايا شعر ينسب للإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه في وصيته لابنه الحسن:
ولا ترّين الناس إلا تجملاٌ نبآ بك دهر أو جفاك خليلُ
ويتعدى المعنى الوصية الشخصية المباشرة إلى كونه خطاب وممارسة اجتماعية جمالية تتداخل مع مفهوم ٍ نفسي للتربية الإسلامية النابذة لنزعات الغرائز وسلطان النزوات وانقلاب الأمزجة، الصادر من الذات إلى الموضوع.
إلى اللقاء في الحلقة الثالثة ....