غلاباوي
21-03-2005, 12:25 PM
أرسى الملك عبدالعزيز دعائم هذه البلاد ووحد أجزاءها منذ أكثر من مئة عام ليستتب فيها الأمن والنظام والاستقرار ولتصبح دولة عصرية من دول العالم الحديث تعرف بالمملكة العربية السعودية، وأضحى لقطاع الكهرباء -ضمن القطاعات الأخرى- دور كبير وبارز في مراحل التنمية المتسارعة التي تعيشها السعودية منذ ذلك الحين. ولأهمية هذا القطاع وفعاليته فقد أخذت الدولة منذ بداية العهد الذي تسلم فيه خادم الحرمين الشريفين مقاليد الحكم زمام المبادرة في تمويل كافة متطلبات هذا القطاع وتشكيل بنائه وهيكلته وتنظيمه من خلال خطوات دمج شركات معزولة أو صغيرة على صعيد المناطق في شكل شركات موحدة ذات كيانات متماسكة ثم العمل على صهر تلك الشركات في شركة واحدة لتكون قادرة على مواصلة النمو والتطور وعلى القيام بمهامها ونشر خدماتها بشكل أفضل لتحقيق أهداف خطط التنمية الاجتماعية والصحية والتعليمية والاقتصادية.
وسأحاول بإيجاز استعراض مراحل التطور التي حققها قطاع الكهرباء في عهد خادم الحرمين الشريفين الذي حفل بالإنجازات والعطاءات المتتالية لشعبه الوفي في شتى المجالات والميادين.
نشأة ونمو قطاع الكهرباء بالسعودية
بدأ قطاع الكهرباء في السعودية -كأي قطاع يسير في مراحله الأولى- بداية متواضعة، إذ عرفت الخدمات الكهربائية في مدنها الرئيسة فقط مثل جدة والرياض ومكة المكرمة والدمام والطائف منذ الخمسينيات الهجرية، وكانت هذه الخدمات تقدم من قبل شركات صغيرة أو بواسطة مجموعات تجارية وجمعيات تعاونية وبعض الأفراد. وكانت تعرفة بيع الطاقة تختلف من مدينة وأخرى حسب التكلفة الفعلية لإنتاج الطاقة، وكان سعر البيع يتراوح بين 30-50 هللة لكل كيلوات/ساعة. وكانت تلك الخدمات تتعرض للانقطاعات المتتالية نتيجة لغياب الإمكانيات الدقيقة والسليمة للتخطيط والتنظيم من جهة وتدني مواصفات المعدات والأجهزة المستخدمة وصغر حجم محطات التوليد وتواضع شبكات النقل وسوء أنظمة التوزيع من جهة أخرى. وفي بداية الثمانينيات الهجرية أنشئت في وزارة التجارة أول إدارة حكومية تعنى بقطاع الكهرباء سميت بـ "شؤون الكهرباء" كان من صلاحياتها وضع القوانين والأنظمة واللوائح وإصدار الرخص والتصاريح لشركات الكهرباء والإعفاءات وتشجيع الاستثمارات في هذا القطاع. وبعد ذلك -أي في عام 1392 هـ- أنشئت إدارة مستقلة تعنى بتخطيط وتطوير قطاع الكهرباء على مستوى السعودية والهيمنة عليه، وسميت هذه الإدارة بـ "مصلحة الخدمات الكهربائية"، وقد تحولت هذه الإدارة عام 1396هـ إلى "المؤسسة العامة للكهرباء" والتي أخذت على عاتقها مسؤولية الإشراف والهيمنة على قطاع الكهرباء وكان لها دور كبير في تنمية وتطوير هذا القطاع الحيوي إذ تحولت معظم الشركات في مختلف مناطق السعودية من شركات متفرقة ومعزولة إلى شركات كهربائية موحدة ترقى بخدماتها المقدمة إلى الأفضل وترضي دائما توقعات وآمال المستهلك توليدا ونقلا وتوزيعا. ونتيجة للتطور المذهل الذي شهده قطاع الكهرباء نتيجة لتشجيع ومساهمة الدولة بالقروض والإعانات والإعفاءات وضمان الأرباح فقد واصل هذا القطاع السير حثيثا في مراحل تطورية سريعة متلاحقة وفي مدد زمنية قياسية أملتها طبيعة الحاجة لهذه الخدمات وتركيز خطط التنمية التي اختطتها الدولة على توفيرها وامتدادها وانتشارها. وتبعا لذلك أنشئت وزارة الصناعة والكهرباء بموجب مرسوم ملكي وتأسست في إطارها وكالة لشؤون الكهرباء تأخذ على عاتقها مهمة تطوير الخدمات الكهربائية ووضع الخطط والبرامج لتعميمها وتحسينها في جميع مناطق السعودية.
ولقد برزت نتائج حملات الترشيد والتوعية في الإنفاق والتشغيل (تطبيق برامج إزاحة الأحمال والحفاظ على الطاقة) وكذلك التركيز على القدرات الذاتية والتأني والفعالية في برامج التخطيط، كذلك تم التوسع في كثير من المحطات العاملة بما يغطي الطلب المتنامي على الطاقة وإنشاء محطات جديدة ذات قدرات مرتفعة وتقنيات جديدة وكفاءة عالية في كل من مكة والدمام والرياض والانتقال من تقنية المولدات الغازية إلى تقنية المولدات البخارية والمولدات ذات الدورة المركبة.
أداء القطاع خلال العقدين الماضيين
يمكن أن نتبين من خلال التجربة السعودية التي دخلت في أطوار تطبيق وتنفيذ الخطط الخمسية أن الدولة اتخذت منها أسلوبا طموحا للتقدم ووصولا إلى تنمية اقتصادية ورقي حضاري وذلك من خلال تخطيط تنموي متأنٍ وصياغة خلفية واعية ينطلق منها هذا التخطيط. وفي قطاع الكهرباء كانت هناك برامج طموحة آلت حكومة خادم الحرمين الشريفين على نفسها أن تأخذ بزمام المبادرة في وضعها وإدخال التقنيات الحديثة بها وتأهيل العنصر البشري وإيجاد التجهيزات الأساسية المتكاملة لها.
لقد حقق قطاع الكهرباء بالسعودية خلال العقدين الماضيين مستويات متقدمة بكل المعايير والمقاييس سواء في مجال تعميم الخدمة الكهربائية في شتى أنحاء البلاد المترامية الأطراف أو في مجال نوعية الخدمات المقدمة للمشتركين. إذ بلغت رؤوس أموال شركات الكهرباء حوالي 30 مليار ريال منها 25 مليار ريال رؤوس أموال الشركات الموحدة والصغيرة بالمنطقة الشمالية وقد دفع منها نحو 23 مليار ريال، وتبلغ حصة الدولة منها حوالي 20 ملياراً عبارة عن مساهمة عينية من الحصة النقدية وكذلك تكاليف مشروعات التوليد والنقل والتحويل والتوزيع التي تم إنشاؤها عن طريق صندوق التنمية الصناعي أو المؤسسة العامة للكهرباء. كما قامت الدولة بإقراض الشركات الموحدة مبالغ كبيرة سواء عن طريق الصندوق -والتي لم تدخل ضمن رأس المال- أو مشروعات نفذت عن طريق المؤسسة. وقد غطت خدمات الكهرباء معظم مناطق السعودية حيث تم نشرها وتعميمها إلى ما يزيد عن 6260 مدينة وقرية وهجرة على الرغم من صعوبة الوصول إلى بعضها وبُعد بعضها الشاسع عن مصادر التغذية، كذلك ارتفع عدد المشتركين من 351 ألف مشترك في نهاية الخطة الخمسية الأولى (1395 هـ) إلى أكثر من 3 ملايين مشترك عند نهاية الخطة الخمسية السادسة (1420هـ).
لقد غطت خدمات الكهرباء معظم مناطق السعودية، حيث تم توصيل الكهرباء إلى حوالي 6260 مدينة وقرية وهجرة على الرغم من صعوبة الوصول إلى بعضها وبُعد بعضها الشاسع عن مصادر التغذية. ومع تزايد عدد المشتركين نمت الأحمال الكهربائية من 848 ميجاواتا في نهاية الخطة الخمسية الأولى إلى حوالي 20653 ميجاواتا في نهاية الخطة السادسة، أي بمعدل زيادة سنوية تعادل 8.16% وواكب ذلك زيادة في القدرة المركبة بما يعادل 1000 ميجاوات سنويا على مدى العشرين سنة الماضية، وهذه نسبة عالية جدا بالمعايير العالمية.
ولقد تم إنشاء محطات بخارية كبيرة ذات كفاءة عالية تصل سعة بعض الوحدات فيها إلى حوالي 600 ميجاوات لتحل محل الوحدات الصغيرة ذات الكفاءة المتدنية. كما زاد استهلاك الطاقة الكهربائية بنسب عالية جدا وذلك لتحسن دخل الفرد وتوفر الطاقة الكهربائية بأسعار مخفضة مقارنة بمثيلاتها في كثير من دول العالم.
تطور شبكات النقل والتوزيع
تطورت شبكات النقل ونمت نموا سريعا خلال العشرين عاما الماضية حيث تم استخدام الجهد العالي 380 و 230 كيلوفولت لنقل القدرات عبر مسافات طويلة بين المناطق الآهلة داخل المدن وبلغت أطوال هذه الخطوط عام 1419هـ (أي قبيل نهاية الخطة الخمسية السادسة) حوالي 4500 كم من الخطوط الهوائية وحوالي 48 كم من الخطوط الأرضية (الكابلات)، وبلغ عدد محطات التحويل أكثر من 52 محطة بسعة 40 ألف ميجافولت أمبير، كما وصلت أطوال خطوط الجهد المتوسط (110- 132كيلوفولت) حوالي عشرة آلاف كم من الخطوط الهوائية وحوالي 1100 كم من الخطوط الأرضية، كما بلغ عدد المحطات حوالي 312 محطة تفوق سعتها 36 ألف ميجافولت أمبير، كذلك تم ربط المنطقة الشرقية مع الوسطى وربط منطقة القصيم مع الرياض وربط المدن الرئيسة في الغربية بشبكة قوية بجهد 380 كيلوفولت، كما تم ربط بعض مناطق كهرباء الجنوبية مع بعضها.
وفي مجال التوزيع استخدمت جهود تتراوح بين 69 كيلوفولت و 8.13 كيلوفولت غطت جميع المدن ومعظم القرى والهجر، وبلغ مجموع أطوال الخطوط الهوائية عام 1418 أكثر من 62 ألف كيلومتر، كما بلغ طول الخطوط الأرضية حوالي 43 ألف كيلومتر، وزاد عدد المحولات عن 142 ألف محول بسعة تبلغ أكثر من 187 ألف ميجافولت أمبير.
تقويم الأداء والمستقبل
استنادا إلى التقرير الذي أعده البنك الدولي في منتصف عام 1418 هـ عن "كفاءة قطاع الكهرباء في السعودية" فقد خلص إلى الإشادة بكفاءة التوليد بالسعودية مقارنة بالأداء العالمي، ولذا يجب التنويه بالجهود التي بذلت من قبل الإدارات الحكومية المعنية بقطاع الكهرباء لتحسين أداء هذا القطاع وعملت حثيثا على تنميته وتطويره والرفع من كفاءته.
لقد عمدت الحكومة إلى دعم قطاع الكهرباء لتمكينه من القيام بتنفيذ العديد من المشروعات الكهربائية والتي بلغت تكاليفها بلايين الريالات الأمر الذي تم معه إنجاز الكثير من المشروعات الكهربائية في المدن والقرى والهجر والأرياف وإيصال الخدمة الكهربائية إلى جهات نائية ومناطق متباعدة وعبر مسالك وعرة مع ما يتطلب ذلك من تكاليف باهظة وجهود مضنية بدءا من مرحلة التخطيط وحتى بداية الإنتاج. هذا بالإضافة إلى تكاليف التشغيل والصيانة والتي تعقب ذلك لضمان تدفق الطاقة الكهربائية دونما تذبذب أو تدنٍ أو انقطاع.
ونتيجة للتوسع الذي طرأ في قطاع الكهرباء خلال العقدين الماضيين تم دمج شركات الكهرباء في مناطق السعودية فيما كان يعرف بالشركات السعودية الموحدة للكهرباء وأصبحت تقدم خدمات أكثر اعتمادية وأجود نوعية وأقل تكلفة، كذلك تم ربط بعض المناطق (الشرقية-الوسطى) وذلك تمهيدا للربط الشامل بين مناطق السعودية كلها بشبكة وطنية موحدة.
وقد تمثل النهوض بقطاع الكهرباء في حجم الاستثمارات والقروض والإعانات والتسهيلات التي قدمتها لشركات الكهرباء وكان لا بد لذلك أن يحدث حيث إن الدولة مدركة لأهمية الكهرباء في خطط التنمية التي تخطط لها وترعاها وأنها العصب الرئيسي للتطور الصناعي والتقني والاجتماعي، فلا غرو إذن أن تعنى الدولة بالعمل على إنماء وتطوير هذا القطاع وتوفير ما يتطلبه من استثمارات ضخمة وتكاليف باهظة لبناء المحطات ومد خطوط النقل وإنشاء شبكات التوزيع الهوائية والأرضية ومراكز التحكم وضمان أرباح المساهمين. وبناء على ذلك فإن شركات الكهرباء لا تقوم ببيع الطاقة حسب تكلفتها الفعلية بل هي ملتزمة ببيعها بتعرفة محددة من قبل الدولة تقل عن التكلفة الحقيقية والفرق بينهما يمثل عجزا في ميزانيات تلك الشركات كخسارة محققة تقوم الدولة بتغطيتها حتى تتمكن تلك الشركات من الاستمرار في تقديم خدماتها تحقيقا للأهداف العامة للدولة.
ومما لا شك فيه أن المؤشرات المالية والتكليفية وتزايد أعداد المشتركين واستمرارية تقديم الخدمات الكهربائية على أفضل وجه في كافة أنحاء السعودية لخير دليل وشاهد على مدى الجهد المبذول من قبل وزارة الصناعة والكهرباء وجل الإدارات المعنية بقطاع الكهرباء.
والآن وقد بلغ قطاع الكهرباء مرحلة النضج الذي يستطيع بها الاعتماد على إمكانياته وقدراته الذاتية وأن يصبح قطاعا مربحا يجتذب إليه الاستثمارات ويحفز مشاركة القطاع الخاص فقد آن الأوان أن يشرع في تحويله لقطاع ربحي ثم انسحاب الدولة من دور المموِّل والضامن من جهة وتكثيف دور القطاع الخاص وجذب استثماراته من جهة أخرى.
الخلاصة
حققت السعودية خطوات واسعة وإنجازات رائعة في جميع المجالات ومنها مجال نشر وتعميم الخدمات الكهربائية في كل أرجاء السعودية وإيصالها إلى كل مدينة وقرية وهجرة وذلك من خلال خطط زمنية منظمة وتمويل سخي متواصل حتى أصبح كل مواطن ومقيم على أرض السعودية يتمتع بهذه الخدمة الأساسية والحيوية في شتى شؤون حياته وبتكاليف معقولة، وقد تسنى لقطاع الكهرباء أن يحقق قفزات كبيرة ودرجات عالية في مواكبة التطورات الحديثة في صناعة الكهرباء من حيث الوصول إلى مستويات عالمية تتمثل في متانة وقدرة الأنظمة الكهربائية من جهة ونوعية وجودة الخدمات الكهربائية التي تقدمها تلك الأنظمة من جهة أخرى.
وسأحاول بإيجاز استعراض مراحل التطور التي حققها قطاع الكهرباء في عهد خادم الحرمين الشريفين الذي حفل بالإنجازات والعطاءات المتتالية لشعبه الوفي في شتى المجالات والميادين.
نشأة ونمو قطاع الكهرباء بالسعودية
بدأ قطاع الكهرباء في السعودية -كأي قطاع يسير في مراحله الأولى- بداية متواضعة، إذ عرفت الخدمات الكهربائية في مدنها الرئيسة فقط مثل جدة والرياض ومكة المكرمة والدمام والطائف منذ الخمسينيات الهجرية، وكانت هذه الخدمات تقدم من قبل شركات صغيرة أو بواسطة مجموعات تجارية وجمعيات تعاونية وبعض الأفراد. وكانت تعرفة بيع الطاقة تختلف من مدينة وأخرى حسب التكلفة الفعلية لإنتاج الطاقة، وكان سعر البيع يتراوح بين 30-50 هللة لكل كيلوات/ساعة. وكانت تلك الخدمات تتعرض للانقطاعات المتتالية نتيجة لغياب الإمكانيات الدقيقة والسليمة للتخطيط والتنظيم من جهة وتدني مواصفات المعدات والأجهزة المستخدمة وصغر حجم محطات التوليد وتواضع شبكات النقل وسوء أنظمة التوزيع من جهة أخرى. وفي بداية الثمانينيات الهجرية أنشئت في وزارة التجارة أول إدارة حكومية تعنى بقطاع الكهرباء سميت بـ "شؤون الكهرباء" كان من صلاحياتها وضع القوانين والأنظمة واللوائح وإصدار الرخص والتصاريح لشركات الكهرباء والإعفاءات وتشجيع الاستثمارات في هذا القطاع. وبعد ذلك -أي في عام 1392 هـ- أنشئت إدارة مستقلة تعنى بتخطيط وتطوير قطاع الكهرباء على مستوى السعودية والهيمنة عليه، وسميت هذه الإدارة بـ "مصلحة الخدمات الكهربائية"، وقد تحولت هذه الإدارة عام 1396هـ إلى "المؤسسة العامة للكهرباء" والتي أخذت على عاتقها مسؤولية الإشراف والهيمنة على قطاع الكهرباء وكان لها دور كبير في تنمية وتطوير هذا القطاع الحيوي إذ تحولت معظم الشركات في مختلف مناطق السعودية من شركات متفرقة ومعزولة إلى شركات كهربائية موحدة ترقى بخدماتها المقدمة إلى الأفضل وترضي دائما توقعات وآمال المستهلك توليدا ونقلا وتوزيعا. ونتيجة للتطور المذهل الذي شهده قطاع الكهرباء نتيجة لتشجيع ومساهمة الدولة بالقروض والإعانات والإعفاءات وضمان الأرباح فقد واصل هذا القطاع السير حثيثا في مراحل تطورية سريعة متلاحقة وفي مدد زمنية قياسية أملتها طبيعة الحاجة لهذه الخدمات وتركيز خطط التنمية التي اختطتها الدولة على توفيرها وامتدادها وانتشارها. وتبعا لذلك أنشئت وزارة الصناعة والكهرباء بموجب مرسوم ملكي وتأسست في إطارها وكالة لشؤون الكهرباء تأخذ على عاتقها مهمة تطوير الخدمات الكهربائية ووضع الخطط والبرامج لتعميمها وتحسينها في جميع مناطق السعودية.
ولقد برزت نتائج حملات الترشيد والتوعية في الإنفاق والتشغيل (تطبيق برامج إزاحة الأحمال والحفاظ على الطاقة) وكذلك التركيز على القدرات الذاتية والتأني والفعالية في برامج التخطيط، كذلك تم التوسع في كثير من المحطات العاملة بما يغطي الطلب المتنامي على الطاقة وإنشاء محطات جديدة ذات قدرات مرتفعة وتقنيات جديدة وكفاءة عالية في كل من مكة والدمام والرياض والانتقال من تقنية المولدات الغازية إلى تقنية المولدات البخارية والمولدات ذات الدورة المركبة.
أداء القطاع خلال العقدين الماضيين
يمكن أن نتبين من خلال التجربة السعودية التي دخلت في أطوار تطبيق وتنفيذ الخطط الخمسية أن الدولة اتخذت منها أسلوبا طموحا للتقدم ووصولا إلى تنمية اقتصادية ورقي حضاري وذلك من خلال تخطيط تنموي متأنٍ وصياغة خلفية واعية ينطلق منها هذا التخطيط. وفي قطاع الكهرباء كانت هناك برامج طموحة آلت حكومة خادم الحرمين الشريفين على نفسها أن تأخذ بزمام المبادرة في وضعها وإدخال التقنيات الحديثة بها وتأهيل العنصر البشري وإيجاد التجهيزات الأساسية المتكاملة لها.
لقد حقق قطاع الكهرباء بالسعودية خلال العقدين الماضيين مستويات متقدمة بكل المعايير والمقاييس سواء في مجال تعميم الخدمة الكهربائية في شتى أنحاء البلاد المترامية الأطراف أو في مجال نوعية الخدمات المقدمة للمشتركين. إذ بلغت رؤوس أموال شركات الكهرباء حوالي 30 مليار ريال منها 25 مليار ريال رؤوس أموال الشركات الموحدة والصغيرة بالمنطقة الشمالية وقد دفع منها نحو 23 مليار ريال، وتبلغ حصة الدولة منها حوالي 20 ملياراً عبارة عن مساهمة عينية من الحصة النقدية وكذلك تكاليف مشروعات التوليد والنقل والتحويل والتوزيع التي تم إنشاؤها عن طريق صندوق التنمية الصناعي أو المؤسسة العامة للكهرباء. كما قامت الدولة بإقراض الشركات الموحدة مبالغ كبيرة سواء عن طريق الصندوق -والتي لم تدخل ضمن رأس المال- أو مشروعات نفذت عن طريق المؤسسة. وقد غطت خدمات الكهرباء معظم مناطق السعودية حيث تم نشرها وتعميمها إلى ما يزيد عن 6260 مدينة وقرية وهجرة على الرغم من صعوبة الوصول إلى بعضها وبُعد بعضها الشاسع عن مصادر التغذية، كذلك ارتفع عدد المشتركين من 351 ألف مشترك في نهاية الخطة الخمسية الأولى (1395 هـ) إلى أكثر من 3 ملايين مشترك عند نهاية الخطة الخمسية السادسة (1420هـ).
لقد غطت خدمات الكهرباء معظم مناطق السعودية، حيث تم توصيل الكهرباء إلى حوالي 6260 مدينة وقرية وهجرة على الرغم من صعوبة الوصول إلى بعضها وبُعد بعضها الشاسع عن مصادر التغذية. ومع تزايد عدد المشتركين نمت الأحمال الكهربائية من 848 ميجاواتا في نهاية الخطة الخمسية الأولى إلى حوالي 20653 ميجاواتا في نهاية الخطة السادسة، أي بمعدل زيادة سنوية تعادل 8.16% وواكب ذلك زيادة في القدرة المركبة بما يعادل 1000 ميجاوات سنويا على مدى العشرين سنة الماضية، وهذه نسبة عالية جدا بالمعايير العالمية.
ولقد تم إنشاء محطات بخارية كبيرة ذات كفاءة عالية تصل سعة بعض الوحدات فيها إلى حوالي 600 ميجاوات لتحل محل الوحدات الصغيرة ذات الكفاءة المتدنية. كما زاد استهلاك الطاقة الكهربائية بنسب عالية جدا وذلك لتحسن دخل الفرد وتوفر الطاقة الكهربائية بأسعار مخفضة مقارنة بمثيلاتها في كثير من دول العالم.
تطور شبكات النقل والتوزيع
تطورت شبكات النقل ونمت نموا سريعا خلال العشرين عاما الماضية حيث تم استخدام الجهد العالي 380 و 230 كيلوفولت لنقل القدرات عبر مسافات طويلة بين المناطق الآهلة داخل المدن وبلغت أطوال هذه الخطوط عام 1419هـ (أي قبيل نهاية الخطة الخمسية السادسة) حوالي 4500 كم من الخطوط الهوائية وحوالي 48 كم من الخطوط الأرضية (الكابلات)، وبلغ عدد محطات التحويل أكثر من 52 محطة بسعة 40 ألف ميجافولت أمبير، كما وصلت أطوال خطوط الجهد المتوسط (110- 132كيلوفولت) حوالي عشرة آلاف كم من الخطوط الهوائية وحوالي 1100 كم من الخطوط الأرضية، كما بلغ عدد المحطات حوالي 312 محطة تفوق سعتها 36 ألف ميجافولت أمبير، كذلك تم ربط المنطقة الشرقية مع الوسطى وربط منطقة القصيم مع الرياض وربط المدن الرئيسة في الغربية بشبكة قوية بجهد 380 كيلوفولت، كما تم ربط بعض مناطق كهرباء الجنوبية مع بعضها.
وفي مجال التوزيع استخدمت جهود تتراوح بين 69 كيلوفولت و 8.13 كيلوفولت غطت جميع المدن ومعظم القرى والهجر، وبلغ مجموع أطوال الخطوط الهوائية عام 1418 أكثر من 62 ألف كيلومتر، كما بلغ طول الخطوط الأرضية حوالي 43 ألف كيلومتر، وزاد عدد المحولات عن 142 ألف محول بسعة تبلغ أكثر من 187 ألف ميجافولت أمبير.
تقويم الأداء والمستقبل
استنادا إلى التقرير الذي أعده البنك الدولي في منتصف عام 1418 هـ عن "كفاءة قطاع الكهرباء في السعودية" فقد خلص إلى الإشادة بكفاءة التوليد بالسعودية مقارنة بالأداء العالمي، ولذا يجب التنويه بالجهود التي بذلت من قبل الإدارات الحكومية المعنية بقطاع الكهرباء لتحسين أداء هذا القطاع وعملت حثيثا على تنميته وتطويره والرفع من كفاءته.
لقد عمدت الحكومة إلى دعم قطاع الكهرباء لتمكينه من القيام بتنفيذ العديد من المشروعات الكهربائية والتي بلغت تكاليفها بلايين الريالات الأمر الذي تم معه إنجاز الكثير من المشروعات الكهربائية في المدن والقرى والهجر والأرياف وإيصال الخدمة الكهربائية إلى جهات نائية ومناطق متباعدة وعبر مسالك وعرة مع ما يتطلب ذلك من تكاليف باهظة وجهود مضنية بدءا من مرحلة التخطيط وحتى بداية الإنتاج. هذا بالإضافة إلى تكاليف التشغيل والصيانة والتي تعقب ذلك لضمان تدفق الطاقة الكهربائية دونما تذبذب أو تدنٍ أو انقطاع.
ونتيجة للتوسع الذي طرأ في قطاع الكهرباء خلال العقدين الماضيين تم دمج شركات الكهرباء في مناطق السعودية فيما كان يعرف بالشركات السعودية الموحدة للكهرباء وأصبحت تقدم خدمات أكثر اعتمادية وأجود نوعية وأقل تكلفة، كذلك تم ربط بعض المناطق (الشرقية-الوسطى) وذلك تمهيدا للربط الشامل بين مناطق السعودية كلها بشبكة وطنية موحدة.
وقد تمثل النهوض بقطاع الكهرباء في حجم الاستثمارات والقروض والإعانات والتسهيلات التي قدمتها لشركات الكهرباء وكان لا بد لذلك أن يحدث حيث إن الدولة مدركة لأهمية الكهرباء في خطط التنمية التي تخطط لها وترعاها وأنها العصب الرئيسي للتطور الصناعي والتقني والاجتماعي، فلا غرو إذن أن تعنى الدولة بالعمل على إنماء وتطوير هذا القطاع وتوفير ما يتطلبه من استثمارات ضخمة وتكاليف باهظة لبناء المحطات ومد خطوط النقل وإنشاء شبكات التوزيع الهوائية والأرضية ومراكز التحكم وضمان أرباح المساهمين. وبناء على ذلك فإن شركات الكهرباء لا تقوم ببيع الطاقة حسب تكلفتها الفعلية بل هي ملتزمة ببيعها بتعرفة محددة من قبل الدولة تقل عن التكلفة الحقيقية والفرق بينهما يمثل عجزا في ميزانيات تلك الشركات كخسارة محققة تقوم الدولة بتغطيتها حتى تتمكن تلك الشركات من الاستمرار في تقديم خدماتها تحقيقا للأهداف العامة للدولة.
ومما لا شك فيه أن المؤشرات المالية والتكليفية وتزايد أعداد المشتركين واستمرارية تقديم الخدمات الكهربائية على أفضل وجه في كافة أنحاء السعودية لخير دليل وشاهد على مدى الجهد المبذول من قبل وزارة الصناعة والكهرباء وجل الإدارات المعنية بقطاع الكهرباء.
والآن وقد بلغ قطاع الكهرباء مرحلة النضج الذي يستطيع بها الاعتماد على إمكانياته وقدراته الذاتية وأن يصبح قطاعا مربحا يجتذب إليه الاستثمارات ويحفز مشاركة القطاع الخاص فقد آن الأوان أن يشرع في تحويله لقطاع ربحي ثم انسحاب الدولة من دور المموِّل والضامن من جهة وتكثيف دور القطاع الخاص وجذب استثماراته من جهة أخرى.
الخلاصة
حققت السعودية خطوات واسعة وإنجازات رائعة في جميع المجالات ومنها مجال نشر وتعميم الخدمات الكهربائية في كل أرجاء السعودية وإيصالها إلى كل مدينة وقرية وهجرة وذلك من خلال خطط زمنية منظمة وتمويل سخي متواصل حتى أصبح كل مواطن ومقيم على أرض السعودية يتمتع بهذه الخدمة الأساسية والحيوية في شتى شؤون حياته وبتكاليف معقولة، وقد تسنى لقطاع الكهرباء أن يحقق قفزات كبيرة ودرجات عالية في مواكبة التطورات الحديثة في صناعة الكهرباء من حيث الوصول إلى مستويات عالمية تتمثل في متانة وقدرة الأنظمة الكهربائية من جهة ونوعية وجودة الخدمات الكهربائية التي تقدمها تلك الأنظمة من جهة أخرى.