nejnes11
19-03-2008, 05:59 PM
بحث حول : التّطور الوظيفي ( قصر أمّ التّمر)
مدنين الشمالية تونس
قصر أم التمر نسيجٌ داخل نسيجٍ، نسيج معماري داخل نسيج سوسيوثقافي ذلك التّداخل بين المعماري و الاجتماعي و الثّقافي يفرض علينا عند الاقتراب من هذا الصّنف من المعمار بالدّرس احترامه أوّلا و احترام ما هو اجتماعي و ثقافي ثانيا و الخضوع للتّاريخ كزمن جامد و زمن ممتد ثالثا. ذلك إنّ الجغرافيا هي تاريخ جامد و التّاريخ هو جغرافيا متحرّكة و القصر هو في آن تاريخ و جغرافيا و أخيرا نخضع لضغوطات المطلوب بحثا، في علاقته مع موضوع البحث.
موضوع بحثنا هو قصر أمّ التّمر أمّا المطلوب بحثا فهو التّطور الوظيفي لموضوع بحثنا أصلا قصر أمّ التّمر
و للمصطلحات ضغوطاتها كذلك . فمصطلح تطوّر يقصد منه الانتقال من حالة إلى حالة أخرى أفضل منها و أكثر تقدّما عن سابقتها و التّطور يمكن أن يكون ذاتيا أو بفعل فاعل أي بتدخّل . و في بحثنا ورد لفظ تطوّر لصيقا بلفظ وظيفي ما يفيد تفعيل التّطوّر و إسناده دور و مهمّة ما يعني أنّنا إزاء عملية تطوير لا تطوّر ذاتي أي أنّنا بصدد تطور بتدخّل . ما يرشح أنّنا سنحاول التّدخّل على القصر لنقله من حالته الجامدة إلى حالة أفضل و أكثر تقدّم و ألأفضلية هنا تكمن في جعل هذا التّطوّر ذَا وظيفة ذَا مهمّة لا اعتباطيا .
و إذا كُنّا نُؤمن بأنّه في تطوّر الطّرق تكمن طرق التّطور فإنّه لزاما علينا أن نُحسّنَ و نُعملَ العقل في وسائلنا و طرقنا عند التّدخّل لنجعل من التّطور وظيفيا و بذلك نكون قد خطونا خطوة من خطوات
في معبر أو طريق التّطور .إلاّ أنّه لا يمكن تلمّس ذلك إلاّ إذا التمسنا عونا في النّظر إلى واقع القصر(1)
والبحث في التّطور الوظيفي تطور غائي (2 ) و التّدقيق في التّطور الوظيفي تطوّر مدروس (3 )
1- واقع القصر
إنّ البحث في واقع قصر أمّ التّمر يتطلّب مسبقا التّعرّف على القصر كنوع معماري. القصور ظاهرة معمارية يتميّز بها الجنوب التّونسي، و هي رمز و معلم حضاري هام يدل على عمق تاريخ المنطقة، دلّت عبر القرون على مدى قدرة الإنسان على التّأقلم و ذلك تصديقا لمقولة" إذا وجدنا أنفسنا بمجال ضغط يولّد فينا ضغطا داخليا علينا بنظرية التّأقلم" و قد عرفت هذه المعالم تطوّرات عديدة منذ العصر القديم إلى الآن. لكن هذه المعالم ليست معزولة عن تقاليد معمارية انتشرت في منطقة المغرب العربي من الأراضي الّليبية المتاخمة عبر مسالك جبال نفوسة وصولا إلى المنطقة الجنوبية من سلسلة الأطلس المغربية مرورا بجبال مطماطة التّونسية و منطقة ألمراب الجزائرية، و ترتكز القصور في الشرق التّونسي بولايتي مدنين و تطاوين إذ تجاوز عددها 150 قصرا، و يحتوي الواحد منها على أكثر من 300 غرفة و تشتمل على عدّة طوابق تصل إلى الخمسة. و يتألّف القصر من:
السّقيفة: و هي عبارة عن مدخل القصر، تخصّص لجمع الميعاد، أي المجلس القبلي.
الصّحن: السّاحة الدّاخلية للقصر و يستخدم لحماية الحيوانات في بعض حالات الإغارة.
الغرف:تمثّل الغرفة الوحدة الأساسية للقصر، تستعمل للخزن و لها هندسة خاصة تراعي شروط
حفظ المحاصيل الزّراعية و الحيوانية لمدة طويلة ...تفضي الغرف إلى بعضها بواسطة مدارج،
أو بواسطة سلسلة من الأعمدة الخشبية المغروسة في الحائط الّذي يمثّل الجبس المحلّي أحد أهم
موارده.
المسجد: و يقوم بوظيفتي التّعبد و التّعليم. و من الأجزاء المتمّمة بشكل يتفاوت بين قصر و آخر حسب الموقع و تاريخ القصر و حسب قوّة و تعدّد أفراد القبيلة: معصرة الزيتون و برج المراقبة و الآبار و المواجل.
لقد كانت القصور في القديم تقام على قمم الجبال و أغلبها أصابته التّعرية و الخراب، ثم ما لبثت ظاهرة القصور أن انتشرت على الهضاب و السهول.
هذا هو الواقع الفيزيائي للقصور و هو ما يصح قولا و قصر أمّ التّمر فقط مع التّأكيد على أنّه من القصور السهلية.لكن هنالك واقع اجتماعي عاشه قصر أمّ التّمر كما عاشته القصور الأخرى و يتمثل في لعب دور مركزي عبر التّاريخ في حياة سكّان المنطقة كمظهر من مظاهر الاستقرار، مثلما مثّلت الخيمة مظهرا من مظاهر الترحال و الانتجاع. إنّ التّعمق في وظائف القصر و هي تلك الوظائف الأصلية المتعدّدة كفيل بإبراز هذا التّداخل الّذي كان قائما بين أصناف المعيشة و القدرة على التّأقلم مع مناخ شبه صحراوي. و لعل هذا التّكامل بين الخيمة و القصر مثّل خصوصية الحياة البدوية في المنطقة الجّنوبية و قصرنا أحد معالمها مما يجعلها تتميّز في بعض خصائصها عن أنماط البداوة في مجتمعات أخرى. فالقصر يقوم بوظيفة تخزين المنتوجات الفلاحية المحلّية (شعير، قمح، زيت، تين مجفّف، تمر، صوف، علف... ) و هذا يدلّ على الماضي ألفلاحي التّقليدي و معاصر الزّيت و بقايا مطامير الحبوب . و روايات الشّيوخ عنها تدلّ على ذلك . فالوظيفة الأساسية ليست السّكنى كما يتبادر إلى الذّهن بل إنّ القصر يمثّل مخزنا جماعيا تملكه القبيلة و العشيرة، أمّا الغرفة فتملكها العائلات و الأفراد بينما يتمّ السّكن زمن الاستقرار حول القصر.
و للقصر وظائف أخرى ثانوية تقوى و تضعف بحسب المواسم و الظّروف الأمنية مثل تأمين النّشاطات التّربوية و الدّينية و التّجارية. الإقامة حول القصر و التّواجد به مؤقّتا يبرزان وقت التّهديدات الأمنية و أثناء الجفاف، أمّا في فترات الرّخاء فتتميّز حياة المجتمعات بالتّنقّل و الانتشار في الأراضي السّهلة حيث الأرض المشتركة و أراضي الملك الخاص.
هذه الوظائف مع مرور الزّمن غدت رسما قد درس أما القصر في حدّ ذاته فغدى مجرّد معلم أثري و سياحي يشهد على عمق التّاريخ و الحضارة بالمنطقة بما يعنيه ذلك من جمود و هذه الوضعية لا يمكن أن تكون إلاّ تطورا لكن في وجهه السلبي خاصة إذا عرفنا أنّ التّطور يمكن أن يكون إلى الخلف.
فقط ما سبق لا يمكن أن ينفي قانون كلي مفاده أن الحياة في حركة دائمة و في تطور مستمر و كان التّطوّر و كانت الحركة لكن الأساس هذه المرة هو التّغيير و التحول المجيد الّذي شهدته تونس بما أسّس له من إعادة تأهيل و اهتمام بكل صغيرة و كبيرة و المثابرة في التّطور الإيجابي و الامتياز و التّميز فيه فكان أن تمت الدّعوة إلى إعادة النّظر إلى معالمنا التاريخية بإخراجها من دائرة الجمود و الظّل و التّعامل الاعتباطي و غير المدروس و اللاّغائي فصدرت القوانين و القرارات لتأكيد هذا التّوجه الجديد و ذلك بالتّدخل على هذه المعالم تدخّلا يطوّرها على أن يكون التّطوير هذه المرة وظيفيا غائيا مدروسا.
2- التّطوّر الوظيفي: تطوّرا غائيا
لئن سلّمنا بأنّ المعمار هو وليد نشاط أنساني بحت يرمي إلى حصر و إيجاد فظاءات تختلف و تتعدّد وظائفها حسب حاجّيات الإنسان في مرحلة ثقافيّة مميّزة. و من البديهي أنّ هذه الفضاءات تتّبع تنظيمات و تقنيات تختلف حسب الفترة الزّمنية و الانتماءات الثقافية و البيئية الطّبيعية و المستوى الاقتصادي و هو ما يفسّر وجود أنواع من المعمار فمنها ما هو سلبي كمعمار المقابر المحفورة تحت الأرض و المحيطة بروما، و منها ما هو عرضي وجب تجديده كلّيا أو جزئيا كالأكواخ الّتي عثر على أثارها بروما و منها المعمار المبني الدّائم ،
هذه الأخيرة من صلب بحثنا و هي عادة ما تقسّم إلى مبان خاصة و مبان عامة و القصر و تحديدا قصر أمّ التّمر من المباني العامة رغم تقلص الفواصل و الحدود بين ما هو عام و ما هو خاص أحيانا .
إنّ البناء ليس مجرّد المصنوع المصلحي فيمكن أن يضمّ إلى جانب البعد المصلحي بعدا رمزيا معبّرا من النّاحية التّاريخية ، و قصر أمّ التّمر يحوي في ذاته البعدين المصلحي و الرّمزي و هو ما يُؤكّد ضرورة إحترام كليهما عند أيّ تدخّل ذلك ما تجلّى غيابه في تدخلات سابقة على هذا المعمار الّذي يمثّل بعدا رمزيا في الذّاكرة الشّعبية و الجمعية لسكان المنطقة و الجّهة و لتونس ككل.
الغاية على المستوى المصلحي تكمن في وضع خطط ناجعة تعطي هذا المعمار جدوى و نجاعة ملموسة على الصعيد الإقتصادي للمنطقة و للجهة عموما وللإقتصاد روافده إن كانت تجارية أو سياحية ترفيهية أو ثقافية... أما على المستوى الرمزي فمن الضّروري الحفاظ على رمزية المكان أولا إحتراما للذاكرة الشّعبية و تأصيلا لها و ثانيا لما تعنيه هذه الرّمزية من عنصر جذب .
3- التّطوّر الوظيفي: تطوّرا مدروسا
بالرغم ما لهذا الصّنف من العمارة من خصائص نفعية و جمالية ضمن فترتها و وظائفها القديمة فهي بحاجة لأن تغذى بتيارات الحداثة و مواكبة الجديد لكن دون قطع مع الموروث أو تجاوز له أي احترام هويّة المكان جغرافيا و تاريخيا هنا تكمن ضرورة الدّراسة و الحاجة إليها حتى يكون التّدخل وظيفيا ويكون بالتالي التّطوّر أو بالأحرى التّطوير وظيفيا.
إنّ إجراء التّغيرات على القصر دون دراسة معمّقة و شاملة قد تفقده وظيفته و تجعل منه مكان غير ذي جدوى.ذلك إنّ التّغييرات المفاجئة الّتي تلمّ بفضاءات القصر لا تعطيه القدرة على مواكبتها ما يُؤدي إلى اختلال في الذّاكرة و الوظيفة و طبيعة القصر و نوعية السّلوك وفق سرعة لا تتناسب و سرعة التّغيير العمراني داخل الفضاء.
بناءً على ما سبق رأينا أنّه في تدخّلنا يجب أن نقف عند:
- ضرورة إيجاد تناسق بين التّطوير و الوظائف ممكنة الممارسة داخل و حول الفضاء.
- تهيئة القصر بإعادة تأهيله و هيكلة الفضاءات.
- تأصيل التّواصل بين القصر كنسيج معماري و النسيج العمراني.
- احترام المعمار عند التّدخل في مستوى مواد التّهيئة و الصيانة ممكنة الإعتماد.
3-1:ضرورة إيجاد تناسق بين التّطوير و الوظائف ممكنة الممارسة داخل و حول الفضاء.
لقد عكف الباحثون في تنظيم الأمكنة و المدن على تغيير إطارها الفيزيائي من إيجاد فضاء ملائم تتناسب معطياته المادّية و مختلف الأفعال و الظائف الّتي تحدث داخله.فنراهم غالبا ما يتغاضون عن شخصيّة ذلك المكان و أثرها على السّلوك الجمعي للأفراد، فتأتي التّغيرات مجّانيّة و مجانبة للغاية المرجوّة منها فتكون إنعكاساتها سلبية في تنظيم المحيط و بالتالي تفقد المكان وظيفته و أهمّيته في تركيب عناصره العمرانية.
هاته الشّخصية تشكّل عبر الزّمن ذاكرة المكان يبقى أثرها ساري المفعول في تحديد ماهية الفضاء و رسم معالمه. فهل للمكان ذاكرة تؤثّر على الإنسان رغم زوال الإطار الفيزيائي أو تقادمه؟
لقد توصّل العلماء إلى أنّ الإطار الفيزيائي للمكان تأثير نفسي و سلوكي على الفرد. فإذا كان الإطار الفيزيائي هو الإسقاط المادي للمقوّمات المعنوية فإنّ تأثيره لا يختلف عنها بتاتا. فرد ّفعله هوحتما متجانسا و طبيعة مقوّماته الّتي تشكّل شخصية المكان و روحه.لقد وجدنا من خلال استقرائنا لمعطيات تاريخيّة و اجتماعيّة أنّ المكان رغم اندثار اطاره الفيزيائي و المعنوي إلاّ أنّه مازال يُؤثّر في الضمير الجمعي للأفراد و مازال يحدّد سلوكهم. الشّيء الّذي جعلنا نتيقّن أنّ المكان له ذاكرة تبقى حيّة رغم زواله أحيانا و هي مستمدّة من قوّة الحضور العمراني و المعماري داخل النّسيج.
فكلّ النّشاطات و الأعمال الّتي تجري داخل الحيّز و تتكرر فيه تصبح خاصّية من خصائصه تشكّل مع مر الزّمن ذاكرة المكان . فقوّة التّلاحم بين الفعل و إطاره الفيزيائي يعطي شخصية لذلك الموقع يمتد تأثيرها على مستعملي المكان مدّة زمنيّة طويلة و كلّما كان التّغير في أحد منها كان أثره واضحا على العنصر الثاني.
لذلك يجب أن تكون الوظائف الّتي ستمارس داخل فضاء القصر و حوله من صميمه متواصلة معه في عمقه التّاريخي و تكون في تناسق مع الفضاء حتى تُؤتي أُكلها ونكون بذلك قد هيّئنا أرضية صلبة لتطوير وظيفي.
3-2: تهيئة القصر بإعادة تأهيله و هيكلة الفضاءات.
مدنين الشمالية تونس
قصر أم التمر نسيجٌ داخل نسيجٍ، نسيج معماري داخل نسيج سوسيوثقافي ذلك التّداخل بين المعماري و الاجتماعي و الثّقافي يفرض علينا عند الاقتراب من هذا الصّنف من المعمار بالدّرس احترامه أوّلا و احترام ما هو اجتماعي و ثقافي ثانيا و الخضوع للتّاريخ كزمن جامد و زمن ممتد ثالثا. ذلك إنّ الجغرافيا هي تاريخ جامد و التّاريخ هو جغرافيا متحرّكة و القصر هو في آن تاريخ و جغرافيا و أخيرا نخضع لضغوطات المطلوب بحثا، في علاقته مع موضوع البحث.
موضوع بحثنا هو قصر أمّ التّمر أمّا المطلوب بحثا فهو التّطور الوظيفي لموضوع بحثنا أصلا قصر أمّ التّمر
و للمصطلحات ضغوطاتها كذلك . فمصطلح تطوّر يقصد منه الانتقال من حالة إلى حالة أخرى أفضل منها و أكثر تقدّما عن سابقتها و التّطور يمكن أن يكون ذاتيا أو بفعل فاعل أي بتدخّل . و في بحثنا ورد لفظ تطوّر لصيقا بلفظ وظيفي ما يفيد تفعيل التّطوّر و إسناده دور و مهمّة ما يعني أنّنا إزاء عملية تطوير لا تطوّر ذاتي أي أنّنا بصدد تطور بتدخّل . ما يرشح أنّنا سنحاول التّدخّل على القصر لنقله من حالته الجامدة إلى حالة أفضل و أكثر تقدّم و ألأفضلية هنا تكمن في جعل هذا التّطوّر ذَا وظيفة ذَا مهمّة لا اعتباطيا .
و إذا كُنّا نُؤمن بأنّه في تطوّر الطّرق تكمن طرق التّطور فإنّه لزاما علينا أن نُحسّنَ و نُعملَ العقل في وسائلنا و طرقنا عند التّدخّل لنجعل من التّطور وظيفيا و بذلك نكون قد خطونا خطوة من خطوات
في معبر أو طريق التّطور .إلاّ أنّه لا يمكن تلمّس ذلك إلاّ إذا التمسنا عونا في النّظر إلى واقع القصر(1)
والبحث في التّطور الوظيفي تطور غائي (2 ) و التّدقيق في التّطور الوظيفي تطوّر مدروس (3 )
1- واقع القصر
إنّ البحث في واقع قصر أمّ التّمر يتطلّب مسبقا التّعرّف على القصر كنوع معماري. القصور ظاهرة معمارية يتميّز بها الجنوب التّونسي، و هي رمز و معلم حضاري هام يدل على عمق تاريخ المنطقة، دلّت عبر القرون على مدى قدرة الإنسان على التّأقلم و ذلك تصديقا لمقولة" إذا وجدنا أنفسنا بمجال ضغط يولّد فينا ضغطا داخليا علينا بنظرية التّأقلم" و قد عرفت هذه المعالم تطوّرات عديدة منذ العصر القديم إلى الآن. لكن هذه المعالم ليست معزولة عن تقاليد معمارية انتشرت في منطقة المغرب العربي من الأراضي الّليبية المتاخمة عبر مسالك جبال نفوسة وصولا إلى المنطقة الجنوبية من سلسلة الأطلس المغربية مرورا بجبال مطماطة التّونسية و منطقة ألمراب الجزائرية، و ترتكز القصور في الشرق التّونسي بولايتي مدنين و تطاوين إذ تجاوز عددها 150 قصرا، و يحتوي الواحد منها على أكثر من 300 غرفة و تشتمل على عدّة طوابق تصل إلى الخمسة. و يتألّف القصر من:
السّقيفة: و هي عبارة عن مدخل القصر، تخصّص لجمع الميعاد، أي المجلس القبلي.
الصّحن: السّاحة الدّاخلية للقصر و يستخدم لحماية الحيوانات في بعض حالات الإغارة.
الغرف:تمثّل الغرفة الوحدة الأساسية للقصر، تستعمل للخزن و لها هندسة خاصة تراعي شروط
حفظ المحاصيل الزّراعية و الحيوانية لمدة طويلة ...تفضي الغرف إلى بعضها بواسطة مدارج،
أو بواسطة سلسلة من الأعمدة الخشبية المغروسة في الحائط الّذي يمثّل الجبس المحلّي أحد أهم
موارده.
المسجد: و يقوم بوظيفتي التّعبد و التّعليم. و من الأجزاء المتمّمة بشكل يتفاوت بين قصر و آخر حسب الموقع و تاريخ القصر و حسب قوّة و تعدّد أفراد القبيلة: معصرة الزيتون و برج المراقبة و الآبار و المواجل.
لقد كانت القصور في القديم تقام على قمم الجبال و أغلبها أصابته التّعرية و الخراب، ثم ما لبثت ظاهرة القصور أن انتشرت على الهضاب و السهول.
هذا هو الواقع الفيزيائي للقصور و هو ما يصح قولا و قصر أمّ التّمر فقط مع التّأكيد على أنّه من القصور السهلية.لكن هنالك واقع اجتماعي عاشه قصر أمّ التّمر كما عاشته القصور الأخرى و يتمثل في لعب دور مركزي عبر التّاريخ في حياة سكّان المنطقة كمظهر من مظاهر الاستقرار، مثلما مثّلت الخيمة مظهرا من مظاهر الترحال و الانتجاع. إنّ التّعمق في وظائف القصر و هي تلك الوظائف الأصلية المتعدّدة كفيل بإبراز هذا التّداخل الّذي كان قائما بين أصناف المعيشة و القدرة على التّأقلم مع مناخ شبه صحراوي. و لعل هذا التّكامل بين الخيمة و القصر مثّل خصوصية الحياة البدوية في المنطقة الجّنوبية و قصرنا أحد معالمها مما يجعلها تتميّز في بعض خصائصها عن أنماط البداوة في مجتمعات أخرى. فالقصر يقوم بوظيفة تخزين المنتوجات الفلاحية المحلّية (شعير، قمح، زيت، تين مجفّف، تمر، صوف، علف... ) و هذا يدلّ على الماضي ألفلاحي التّقليدي و معاصر الزّيت و بقايا مطامير الحبوب . و روايات الشّيوخ عنها تدلّ على ذلك . فالوظيفة الأساسية ليست السّكنى كما يتبادر إلى الذّهن بل إنّ القصر يمثّل مخزنا جماعيا تملكه القبيلة و العشيرة، أمّا الغرفة فتملكها العائلات و الأفراد بينما يتمّ السّكن زمن الاستقرار حول القصر.
و للقصر وظائف أخرى ثانوية تقوى و تضعف بحسب المواسم و الظّروف الأمنية مثل تأمين النّشاطات التّربوية و الدّينية و التّجارية. الإقامة حول القصر و التّواجد به مؤقّتا يبرزان وقت التّهديدات الأمنية و أثناء الجفاف، أمّا في فترات الرّخاء فتتميّز حياة المجتمعات بالتّنقّل و الانتشار في الأراضي السّهلة حيث الأرض المشتركة و أراضي الملك الخاص.
هذه الوظائف مع مرور الزّمن غدت رسما قد درس أما القصر في حدّ ذاته فغدى مجرّد معلم أثري و سياحي يشهد على عمق التّاريخ و الحضارة بالمنطقة بما يعنيه ذلك من جمود و هذه الوضعية لا يمكن أن تكون إلاّ تطورا لكن في وجهه السلبي خاصة إذا عرفنا أنّ التّطور يمكن أن يكون إلى الخلف.
فقط ما سبق لا يمكن أن ينفي قانون كلي مفاده أن الحياة في حركة دائمة و في تطور مستمر و كان التّطوّر و كانت الحركة لكن الأساس هذه المرة هو التّغيير و التحول المجيد الّذي شهدته تونس بما أسّس له من إعادة تأهيل و اهتمام بكل صغيرة و كبيرة و المثابرة في التّطور الإيجابي و الامتياز و التّميز فيه فكان أن تمت الدّعوة إلى إعادة النّظر إلى معالمنا التاريخية بإخراجها من دائرة الجمود و الظّل و التّعامل الاعتباطي و غير المدروس و اللاّغائي فصدرت القوانين و القرارات لتأكيد هذا التّوجه الجديد و ذلك بالتّدخل على هذه المعالم تدخّلا يطوّرها على أن يكون التّطوير هذه المرة وظيفيا غائيا مدروسا.
2- التّطوّر الوظيفي: تطوّرا غائيا
لئن سلّمنا بأنّ المعمار هو وليد نشاط أنساني بحت يرمي إلى حصر و إيجاد فظاءات تختلف و تتعدّد وظائفها حسب حاجّيات الإنسان في مرحلة ثقافيّة مميّزة. و من البديهي أنّ هذه الفضاءات تتّبع تنظيمات و تقنيات تختلف حسب الفترة الزّمنية و الانتماءات الثقافية و البيئية الطّبيعية و المستوى الاقتصادي و هو ما يفسّر وجود أنواع من المعمار فمنها ما هو سلبي كمعمار المقابر المحفورة تحت الأرض و المحيطة بروما، و منها ما هو عرضي وجب تجديده كلّيا أو جزئيا كالأكواخ الّتي عثر على أثارها بروما و منها المعمار المبني الدّائم ،
هذه الأخيرة من صلب بحثنا و هي عادة ما تقسّم إلى مبان خاصة و مبان عامة و القصر و تحديدا قصر أمّ التّمر من المباني العامة رغم تقلص الفواصل و الحدود بين ما هو عام و ما هو خاص أحيانا .
إنّ البناء ليس مجرّد المصنوع المصلحي فيمكن أن يضمّ إلى جانب البعد المصلحي بعدا رمزيا معبّرا من النّاحية التّاريخية ، و قصر أمّ التّمر يحوي في ذاته البعدين المصلحي و الرّمزي و هو ما يُؤكّد ضرورة إحترام كليهما عند أيّ تدخّل ذلك ما تجلّى غيابه في تدخلات سابقة على هذا المعمار الّذي يمثّل بعدا رمزيا في الذّاكرة الشّعبية و الجمعية لسكان المنطقة و الجّهة و لتونس ككل.
الغاية على المستوى المصلحي تكمن في وضع خطط ناجعة تعطي هذا المعمار جدوى و نجاعة ملموسة على الصعيد الإقتصادي للمنطقة و للجهة عموما وللإقتصاد روافده إن كانت تجارية أو سياحية ترفيهية أو ثقافية... أما على المستوى الرمزي فمن الضّروري الحفاظ على رمزية المكان أولا إحتراما للذاكرة الشّعبية و تأصيلا لها و ثانيا لما تعنيه هذه الرّمزية من عنصر جذب .
3- التّطوّر الوظيفي: تطوّرا مدروسا
بالرغم ما لهذا الصّنف من العمارة من خصائص نفعية و جمالية ضمن فترتها و وظائفها القديمة فهي بحاجة لأن تغذى بتيارات الحداثة و مواكبة الجديد لكن دون قطع مع الموروث أو تجاوز له أي احترام هويّة المكان جغرافيا و تاريخيا هنا تكمن ضرورة الدّراسة و الحاجة إليها حتى يكون التّدخل وظيفيا ويكون بالتالي التّطوّر أو بالأحرى التّطوير وظيفيا.
إنّ إجراء التّغيرات على القصر دون دراسة معمّقة و شاملة قد تفقده وظيفته و تجعل منه مكان غير ذي جدوى.ذلك إنّ التّغييرات المفاجئة الّتي تلمّ بفضاءات القصر لا تعطيه القدرة على مواكبتها ما يُؤدي إلى اختلال في الذّاكرة و الوظيفة و طبيعة القصر و نوعية السّلوك وفق سرعة لا تتناسب و سرعة التّغيير العمراني داخل الفضاء.
بناءً على ما سبق رأينا أنّه في تدخّلنا يجب أن نقف عند:
- ضرورة إيجاد تناسق بين التّطوير و الوظائف ممكنة الممارسة داخل و حول الفضاء.
- تهيئة القصر بإعادة تأهيله و هيكلة الفضاءات.
- تأصيل التّواصل بين القصر كنسيج معماري و النسيج العمراني.
- احترام المعمار عند التّدخل في مستوى مواد التّهيئة و الصيانة ممكنة الإعتماد.
3-1:ضرورة إيجاد تناسق بين التّطوير و الوظائف ممكنة الممارسة داخل و حول الفضاء.
لقد عكف الباحثون في تنظيم الأمكنة و المدن على تغيير إطارها الفيزيائي من إيجاد فضاء ملائم تتناسب معطياته المادّية و مختلف الأفعال و الظائف الّتي تحدث داخله.فنراهم غالبا ما يتغاضون عن شخصيّة ذلك المكان و أثرها على السّلوك الجمعي للأفراد، فتأتي التّغيرات مجّانيّة و مجانبة للغاية المرجوّة منها فتكون إنعكاساتها سلبية في تنظيم المحيط و بالتالي تفقد المكان وظيفته و أهمّيته في تركيب عناصره العمرانية.
هاته الشّخصية تشكّل عبر الزّمن ذاكرة المكان يبقى أثرها ساري المفعول في تحديد ماهية الفضاء و رسم معالمه. فهل للمكان ذاكرة تؤثّر على الإنسان رغم زوال الإطار الفيزيائي أو تقادمه؟
لقد توصّل العلماء إلى أنّ الإطار الفيزيائي للمكان تأثير نفسي و سلوكي على الفرد. فإذا كان الإطار الفيزيائي هو الإسقاط المادي للمقوّمات المعنوية فإنّ تأثيره لا يختلف عنها بتاتا. فرد ّفعله هوحتما متجانسا و طبيعة مقوّماته الّتي تشكّل شخصية المكان و روحه.لقد وجدنا من خلال استقرائنا لمعطيات تاريخيّة و اجتماعيّة أنّ المكان رغم اندثار اطاره الفيزيائي و المعنوي إلاّ أنّه مازال يُؤثّر في الضمير الجمعي للأفراد و مازال يحدّد سلوكهم. الشّيء الّذي جعلنا نتيقّن أنّ المكان له ذاكرة تبقى حيّة رغم زواله أحيانا و هي مستمدّة من قوّة الحضور العمراني و المعماري داخل النّسيج.
فكلّ النّشاطات و الأعمال الّتي تجري داخل الحيّز و تتكرر فيه تصبح خاصّية من خصائصه تشكّل مع مر الزّمن ذاكرة المكان . فقوّة التّلاحم بين الفعل و إطاره الفيزيائي يعطي شخصية لذلك الموقع يمتد تأثيرها على مستعملي المكان مدّة زمنيّة طويلة و كلّما كان التّغير في أحد منها كان أثره واضحا على العنصر الثاني.
لذلك يجب أن تكون الوظائف الّتي ستمارس داخل فضاء القصر و حوله من صميمه متواصلة معه في عمقه التّاريخي و تكون في تناسق مع الفضاء حتى تُؤتي أُكلها ونكون بذلك قد هيّئنا أرضية صلبة لتطوير وظيفي.
3-2: تهيئة القصر بإعادة تأهيله و هيكلة الفضاءات.