Civil Engineer
12-07-2004, 05:40 PM
الإسهام العربي في علم الهندسة( أخطاء في فهم التاريخ والمنهج)
للدكتور محمد الحجيري
الحلقة الأولى
1- مقدمة:
أن الإحاطة بموضوع (الإسهام العلمي العربي في الرياضيات) أمر في غاية الصعوبة، ويعود ذلك لأسباب منها:
أولاً: حداثة (تاريخ العلوم) كمادة علمية، فرغم العديد من الدراسات المتفرقة المهمة التي بدأت في القرن التاسع عشر، لم تبدأ الأبحاث المنظمة في تاريخ العلوم العربية قبل الخمسينات من القرن العشرين، ولم يتسن بالتالي الكشف سوى عن جزء ضئيل من المخطوطات.
ثانيا: اتساع الفترة الزمنية التي يقع فيها النشاط العلمي العربي (7 قرون، من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر)، واتساع الرقعة الجغرافية التي حصل عليها هذا النشاط، وهي رقعة امتدت أحيانا من حدود الصين إلى أسبانيا.
ثالثا: تعدد المجالات الرياضية التي تطرق لها العلماء العرب، وتداخل الرياضيات مع كثير من العلوم الأخرى مثل علم الفلك والجغرافيا والفيزياء وغيرها.
لذا سأكتفي بتناولي لما أسهم به العرب في علم الهندسة مستندا إلى الأبحاث الأكثر حداثة في هذا المجال، تاركا لغيري من الزملاء الحديث عن الإسهامات العربية في فروع الرياضيات الأخرى.
إن ضرورة الدقة العلمية في التعاطي مع الموضوع المطروح تفرض على الباحث تجاوز السمة الثقافية البحتة، التي ارمي إليها في هذه المقالة، للدخول في مقاربات علم دقيق له مواصفاته وقوانينه الصارمة. وهذه الحقيقة تدفعني إلى محاولة الموازنة بين تبسيط المسألة من جهة، والمحافظة قدر الإمكان على حد أدنى من الدقة من جهة أخرى.
2 الخطأ الميتودولوجي في فهم (تاريخ العلوم) :
في البدء لا بد من لفتة سريعة عامة، يراد منها دحض الأفكار التي سادت منذ فترة ليست ببعيدة، والتي أدت إلى تهميش التطور العلمي في الحقبة العربية، وصولا إلى إنكاره بالكامل، وذلك بدوافع لا مكان لمناقشتها في هذا المقال. وإن الموضوعية العلمية تفرض علينا التقيد بالحقائق المثبتة علميا عبر دراسة النصوص كي لا نقع في فخ التناقضات ونسهم في تحويل العلم الدقيق (تاريخ العلوم) وغيره أيضا من علوم، إلى فولكلور شعبي، الغاية منه تمجيد الحدود وصولا إلى التعصب العرقي والعنصرية.
لقد سادت إلى فترة قريبة أفكار (لا يزال بعضها قائما)، خلاصتها أن الدور العربي قد اقتصر في أحسن الأحوال على ترجمة وحفظ التراث اليوناني لا أكثر. وبغض النظر عن الخلفيات السياسية والعنصرية وغيرها، فهذه الأفكار غير علمية لثلاثة أسباب تضاف إلى البراهين الفعلية الملموسة التي عثر عليها الباحثون في مخطوطات العلماء من الحقبة العربية:
1- تفترض هذه الأفكار إمكانية ثبات حركة التطور العلمي ما بين الفترة اليونانية و(عصر النهضة)، أي ما يناهز العشرة قرون، وهذا الأمر يغالط ويناقض قوانين التطور.
2- تهمل هذه الأفكار كون التطور العلمي مرتبط بالحاجة والضرورة، وبمبدأي السببية والحتمية العلمية، وهو مستقل عن انتماء الناس وألوانهم وقومياتهم.
3 -تتلازم هذه الأفكار مع خطأ ميتودولوجي بديهي، لان تاريخ العلوم هو بالأصل، علم يرمي إلى تلمس واكتشاف القوانين العامة والخاصة التي تحكم تطور العلوم وتبلورها بمعزل عن انتماء مكتشفيها أو جنسيتهم. فالحقيقة العلمية موضوعية ومستقلة عن آراء الناس فيها، وذلك بالطبع لا يتعارض مع ظاهرة اعتداد الشعوب بعلمائها وتراثها العلمي. فالعلم تراث إنساني شمولي، يتعدى حدود اللون والجنس والدين، ويكاد يختصر تاريخ الحضارة الإنسانية المعرفية برمتها، لان قوانين العلم هي الصورة المجسِّدة للقوانين الطبيعية الملموسة، التي تحكم الكون والتي يملي الواقع الملموس على الكائنات العاقلة التعاطي معها، وسبر أغوارها بغية تيسير سبل العيش والاستمرار في الحياة.
تمثل العلوم الحقائق النسبية التي بمجملها تعبّر عن الحقيقة المطلقة الكامنة ولذلك فالعلوم (بما فيها تاريخ العلوم) مستقلة عن الذات. ومن المناقض للمنطق السليم أن نربط اكتشاف الحقائق العلمية بقومية أو بجنس.
إن الوصول إلى الحقيقة العلمية مشروط قبل كل شيء بحاجة الناس (بالمعنى الشمولي للكلمة) إلى هذه الحقيقة، وذلك قد يكون مع فارق ملحوظ بالزمن أحياناً، ولكن هذا الفارق الزمني غير كاف لدحض العلاقة الشرطية بين الضرورة والاكتشاف.
وتشير كل نتائج تحقيق المخطوطات العربية ودراستها على يد عدد كبير من العلماء العرب والمستشرقين (من وبكيه الى يوشكيفيتش ورشدي راشد وعادل انبوبا وريجيس مورلون وغيرهم) لتؤكد أن للعرب دورهم الكبير في تطوير العلم، وان هذا الدور غير مرتبط (على ما اعتقد) بميزة معينة تخص الشعوب التي عاشت في ظل الحكم العربي، إنما مرتبط بضرورات اقتصادية اجتماعية. وهذا الدور يخضع لمبدأي السببية والحتمية.
إلى اللقاء في الحلقة الثانية ......
تحياتي للجميع
للدكتور محمد الحجيري
الحلقة الأولى
1- مقدمة:
أن الإحاطة بموضوع (الإسهام العلمي العربي في الرياضيات) أمر في غاية الصعوبة، ويعود ذلك لأسباب منها:
أولاً: حداثة (تاريخ العلوم) كمادة علمية، فرغم العديد من الدراسات المتفرقة المهمة التي بدأت في القرن التاسع عشر، لم تبدأ الأبحاث المنظمة في تاريخ العلوم العربية قبل الخمسينات من القرن العشرين، ولم يتسن بالتالي الكشف سوى عن جزء ضئيل من المخطوطات.
ثانيا: اتساع الفترة الزمنية التي يقع فيها النشاط العلمي العربي (7 قرون، من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر)، واتساع الرقعة الجغرافية التي حصل عليها هذا النشاط، وهي رقعة امتدت أحيانا من حدود الصين إلى أسبانيا.
ثالثا: تعدد المجالات الرياضية التي تطرق لها العلماء العرب، وتداخل الرياضيات مع كثير من العلوم الأخرى مثل علم الفلك والجغرافيا والفيزياء وغيرها.
لذا سأكتفي بتناولي لما أسهم به العرب في علم الهندسة مستندا إلى الأبحاث الأكثر حداثة في هذا المجال، تاركا لغيري من الزملاء الحديث عن الإسهامات العربية في فروع الرياضيات الأخرى.
إن ضرورة الدقة العلمية في التعاطي مع الموضوع المطروح تفرض على الباحث تجاوز السمة الثقافية البحتة، التي ارمي إليها في هذه المقالة، للدخول في مقاربات علم دقيق له مواصفاته وقوانينه الصارمة. وهذه الحقيقة تدفعني إلى محاولة الموازنة بين تبسيط المسألة من جهة، والمحافظة قدر الإمكان على حد أدنى من الدقة من جهة أخرى.
2 الخطأ الميتودولوجي في فهم (تاريخ العلوم) :
في البدء لا بد من لفتة سريعة عامة، يراد منها دحض الأفكار التي سادت منذ فترة ليست ببعيدة، والتي أدت إلى تهميش التطور العلمي في الحقبة العربية، وصولا إلى إنكاره بالكامل، وذلك بدوافع لا مكان لمناقشتها في هذا المقال. وإن الموضوعية العلمية تفرض علينا التقيد بالحقائق المثبتة علميا عبر دراسة النصوص كي لا نقع في فخ التناقضات ونسهم في تحويل العلم الدقيق (تاريخ العلوم) وغيره أيضا من علوم، إلى فولكلور شعبي، الغاية منه تمجيد الحدود وصولا إلى التعصب العرقي والعنصرية.
لقد سادت إلى فترة قريبة أفكار (لا يزال بعضها قائما)، خلاصتها أن الدور العربي قد اقتصر في أحسن الأحوال على ترجمة وحفظ التراث اليوناني لا أكثر. وبغض النظر عن الخلفيات السياسية والعنصرية وغيرها، فهذه الأفكار غير علمية لثلاثة أسباب تضاف إلى البراهين الفعلية الملموسة التي عثر عليها الباحثون في مخطوطات العلماء من الحقبة العربية:
1- تفترض هذه الأفكار إمكانية ثبات حركة التطور العلمي ما بين الفترة اليونانية و(عصر النهضة)، أي ما يناهز العشرة قرون، وهذا الأمر يغالط ويناقض قوانين التطور.
2- تهمل هذه الأفكار كون التطور العلمي مرتبط بالحاجة والضرورة، وبمبدأي السببية والحتمية العلمية، وهو مستقل عن انتماء الناس وألوانهم وقومياتهم.
3 -تتلازم هذه الأفكار مع خطأ ميتودولوجي بديهي، لان تاريخ العلوم هو بالأصل، علم يرمي إلى تلمس واكتشاف القوانين العامة والخاصة التي تحكم تطور العلوم وتبلورها بمعزل عن انتماء مكتشفيها أو جنسيتهم. فالحقيقة العلمية موضوعية ومستقلة عن آراء الناس فيها، وذلك بالطبع لا يتعارض مع ظاهرة اعتداد الشعوب بعلمائها وتراثها العلمي. فالعلم تراث إنساني شمولي، يتعدى حدود اللون والجنس والدين، ويكاد يختصر تاريخ الحضارة الإنسانية المعرفية برمتها، لان قوانين العلم هي الصورة المجسِّدة للقوانين الطبيعية الملموسة، التي تحكم الكون والتي يملي الواقع الملموس على الكائنات العاقلة التعاطي معها، وسبر أغوارها بغية تيسير سبل العيش والاستمرار في الحياة.
تمثل العلوم الحقائق النسبية التي بمجملها تعبّر عن الحقيقة المطلقة الكامنة ولذلك فالعلوم (بما فيها تاريخ العلوم) مستقلة عن الذات. ومن المناقض للمنطق السليم أن نربط اكتشاف الحقائق العلمية بقومية أو بجنس.
إن الوصول إلى الحقيقة العلمية مشروط قبل كل شيء بحاجة الناس (بالمعنى الشمولي للكلمة) إلى هذه الحقيقة، وذلك قد يكون مع فارق ملحوظ بالزمن أحياناً، ولكن هذا الفارق الزمني غير كاف لدحض العلاقة الشرطية بين الضرورة والاكتشاف.
وتشير كل نتائج تحقيق المخطوطات العربية ودراستها على يد عدد كبير من العلماء العرب والمستشرقين (من وبكيه الى يوشكيفيتش ورشدي راشد وعادل انبوبا وريجيس مورلون وغيرهم) لتؤكد أن للعرب دورهم الكبير في تطوير العلم، وان هذا الدور غير مرتبط (على ما اعتقد) بميزة معينة تخص الشعوب التي عاشت في ظل الحكم العربي، إنما مرتبط بضرورات اقتصادية اجتماعية. وهذا الدور يخضع لمبدأي السببية والحتمية.
إلى اللقاء في الحلقة الثانية ......
تحياتي للجميع