إيهاب بحب مصر
01-02-2008, 01:49 PM
لان مصر فى خطر دائم
هذا الموضوع منقول من جريدة الاهرام وفيه الكثير منالاهمية للواقع المصرى الاستراتيجى
ليس مفهوما أن يسود مصر القدر الذينشهده من الاسترخاء والانكفاء, في حين أن البلد في خطر داهمودائم
(1)الدهشة من عندي والتذكير بالخطر الدائم المحيط بمصر قال به اثنانمن أهم الباحثين الاستراتيجيين في تاريخمصر الحديث, هما الدكتور حامد ربيع أستاذالعلوم السياسية والدكتور جمال حمدان أستاذ الجغرافيا السياسية. وكل منهما علمومدرسة في مجاله. الاثنان تحدثا عن أن مصر تدفع ضريبة موقعها الاستراتيجيالحاكم. فالدكتور حامد ربيع في كتابه نظرية الأمن القومي العربي ذكرنا بمصر التيكانت قلب العالم القديم, ونقطة الالتقاء بين القارات الثلاث إفريقيا وآسياوأوروبا, الامر الذي حولها إلي دولة معبر ودولة التقاء, ازدادت أهميتها بعد شققناة السويس بحيث أضحت محور نظام الاتصال العالمي. وهو مابرز خلال الحربينالعالميتين, خصوصا الحرب الثانية, فاستوعبته بريطانيا التي جعلت أحد وزرائهايقيم في القاهرة. ورغم التحولات التي طرأت لاحقا علي الاستراتيجيات العالمية,فإن قناة السويس ظلت تتحكم في توازنات القوي العسكرية وخريطة التعامل مع القويالعظمي في العالم, بحكم دورها الضروري والحاسم في الربط بين المحيط الهندي والبحرالأبيض المتوسط. وهي الخلفية التي تفسر لنا لماذا مصر دائما في خطر, ذلك أنالأهمية توجد الاهتمام. والاهتمام ليس إلا نقطة بداية لما لا حصر له منمساعي الاحتواء والإخضاع من جانب القوي العالمية ذات المصالح والأطماع فيالمنطقة. ولمقاومة هذه المساعي فليس أمام مصر خيار من الناحية الاستراتيجية. إذأن قدرها يفرض عليها أن تظل مستنفرة ومفتوحة الأعين علي مايدور حولها دائما,وقابضة علي أسباب العافية والمنعة في كل حين.الدكتور جمال حمدان تحدث عماسماه جناية الموقع( شخصية مصر ـ جزء2), فقال إن الموقع جني علينا وأغري بناالاستعمار والأطماع الامبريالية. وقد اعتبر نابليون أن مصر هي أهم موقع استراتيجيفي العالم أجمع حتي قيل من بعده قل لي من يسيطر علي مصر, أقل لك من يسيطر عليالعالم وذهب آخرون إلي أن بلدا بمثل الأهمية التي تتمتع بها مصر, لاينبغي أن تتركلنفسها, وان تظل مستقلة من الناحية السياسية. وبسبب أهمية الموقع هذه, فإنهاظلت علي مدي تاريخها مطمعا للآخرين, حتي يقدر بعض الباحثين أن40 أمة غزتهاوسيطرت عليها. اذ خلال تاريخها الطويل فإنها عاشت مستقلة3300 سنة مقابل2000سنة من الاحتلال والتبعية للآخرين.
(2)رغم أهمية الموقع, فإن مصر يحيطبها فراغ قاتل ـ كما يذكر الدكتور ربيع ـ إذ هي محاطة بالبحر من الشمال, والصحراءفي الشرق. والأخطار التي هددتها تاريخيا جاءت من هذين الموضعين. من البحرالقابع في الشمال جاء الإسكندر الأكبر وقيصر روما ونابليون, ومن الصحراء القابعةفي الشرق جاء الهكسوس الذين حكموا مصر طيلة خمسة قرون. وهناك زرعت اسرائيل لتظلخطرا دائما يهددها. وبسبب الفراغ المحيط بها فقد كتب عليها أن تواجه الأخطارالمحيطة بها وهي معتمدة علي نفسها ووحيدة مسيطرة بكبرياء, أو مسحوقة تابعةبصبر, ولكن دائما وحيدةمايثير الانتباه والدهشة أن مفهوم الأمن القوميلمصر كانت معالمه واضحة في مختلف مراحل التاريخ, حتي في المرحلة الفرعونية.وعند الدكتور حامد ربيع فإنه رغم أن دولة مصر الفرعونية لم تكن منفتحة ولاتسعي لأيسيطرة إقليمية, وكانت مصر آنذاك إفريقية بأكثر منها آسيوية, فإن قياداتهاالواعية فهمت أن الدفاع عن حدودها الشرقية لايجوز أن يتمركز حول حدودها الطبيعية(في سيناء), وإنما يجب أن يبدأ من شمال سوريا, وعلي وجه التحديد من منطقةالأناضول, وحروب تحتمس ورمسيس تشهد بذلك, حيث عبرت عن إدراك حقيقة أن مصرلاتحتمل ولاتسمح بوجود قوة معادية علي حدودها الشرقية. بل إن صفحات التاريخالقديم تشير إلي أن كل فرعون حكم مصر, سعي إلي تأمين البلاد من خلال حملة قادهاإلي سوريا, أو غزوة قصدت ليبيا, أو زحف استهدف إخضاع النوبة.في كلمراحل التاريخ كانت العلاقة بين مصر والشام علاقة عضوية, بحيث يمكن القول بأنالساحل الممتد من الإسكندرونة حتي الإسكندرية هو قطاع استرايجي واحد. وكما يقولالدكتور حمدان فان من وضع قدمه علي أي طرف أو نقطه فيها وصل إلي الطرف الآخرتلقائيا. معني ذلك ـ يذكر الدكتور ربيع ـ أن من يسيطر علي الشام يهدد مصر, ومنيتحكم في مصر يهدد الشام. هذه المعادلة فهمها عمرو بن العاص جيدا, وعبر عنقناعته بها للخليفة عمر بن الخطاب, حين أخبره بان الدولة الإسلامية الناشئة إماان تفتح مصر وإما أن تنسحب من الشام. ونابليون انسحب من مصر عندما فشل في فتحعكا, والسياسة البريطانية حين أرادت أن تتحكم في مصر, جعلت تبعية فلسطين اوالجزء الجنوبي من الشام قاعدة لتحركها في المنطقة. بسبب من ذلك اتفق العالمانالكبيران مع غيرهما من الباحثين الاستراتيجيين علي أن خط الدفاع الأول عن مصر هوشمال الشام( جبال طوروس), وخط الدفاع الثاني يقع في الجزء الجنوبي يتمركز حولالمنطقة التي عرفت باسم أرض فلسطين. أما خط الدفاع في سيناء فهو في الواقع خطالدفاع الأخير, وهو اليوم يتمركز حول قناة السويس.
(3)إزاء تلكالأهمية الاستراتيجية لم يكن غريبا أن تتركز جهود قوي الهيمنة علي إضعاف مصروتحجيمها واختراقها ما وسعت الي ذلك سبيلا, وهو ما يفسر لنا اصرار الدول الغربيةعلي ضرب مشروع محمد علي باشا في القرن التاسع عشر ومشروع جمال عبد الناصر في القرنالعشرين وهو ما يفسر لنا أيضا ان مصر كانت اول دولة زحف عليها الاستعمار فيافريقيا, وأول دولة جري استدراجها للصلح مع اسرائيل, واخراجها من دائرة الصراعالعربي الاسرائيلي, تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية.لقد قال لي ذاتمرة الخبير الاستراتيجي الفلسطيني منير شفيق ان البعض يتحدثون عن التضحيات التيقدمتها مصر لفلسطين, لكن الحقيقة ان فلسطين هي التي صلبت من أجل ضرب مصر, لأنفلسطين لم يكن فيها ما يغري باقامة وطن لليهود, مع ذلك فقد وقع الاختيار عليها منبين عدة بدائل أخري في أمريكا اللاتينية وافريقيا, لا لشيء إلا لكي تصبح منصةغربية في مواجهة مصر وحاجزا يحول دون تواصلها مع الشام, الامر الذي يعني انهاكانت حجرا ضرب عصفورين في وقت واحد, أحدهما تهديد مصر و تكبيلها, وثانيهما:تحقيق رغبة الحركة الصهيونية في اقامة وطن لليهود, أضاف صاحبنا ان كل ما يقالالآن عن أرض الميعاد وهيكل سليمان هو كلام قيل في وقت لاحق لتغطية العملية, علمابأن آباء المشروع الصهيوني كانوا ملحدين ولا يؤمنون بمثل هذا الكلام.ماآثار انتباهي انني سمعت الحجة في السودان من الدكتور حسن مكي مدير مركز الدراساتالافريقية, الذي قال لي ان حرب الجنوب التي انهكت السودان وعوقت حركته هي حربمصرية بالاساس, والدور الاسرائيلي الذي لم يعد سرا في اذكاء تلك الحرب وتأجيجنارها, والمساندة الامريكية الكبيرة لحركة الانفصال, لم يكن لها من هدف سويازعاج مصر وإضعاف عمقها الاستراتيجي, من هذه الزاوية فإن السودان, كمافلسطين, من ضحايا جهود القوي الكبري لحصار مصر وتطويقها, بما يحول دون قيامهابدورها التاريخي الفاعل.إذا جاز لنا بعد ذلك ان ندير البصر من حولنا,فسنجد ان ثمة متغيرات مثيرة للغاية في الصناعات العسكرية, طورت من الاسلحة بحيثألغت المسافات, وقلبت معايير المجال الحيوي والامن القومي, بما يستدعي النظر فيجميع المحددات التي نعرفها بهذا الخصوص او ذاك, لكننا أيضا سنجد ان مصر المكانةلم تعد تقلق العدو ولا تسر الصديق, وان مصر المكان هي الآن موضع البحث واللغطوالمساومة, وان أحد شواغل المخططين الغربيين ليس فاعلية الدور المصري وتأثيره فيالعالم العربي, لكنه أصبح يتركز في كيفية استثمار غياب مصر أوما تبقي لها من رصيدفي تنفيذ وتمرير المخططات الغربية للمنطقة.
(4)لا أعرف ما الذي يمكن انيقوله العالمان ربيع وحمدان اذا قدر لهما الاطلال علي المحيط الاستراتيجي لمصرالراهنة, حين يريان الذي جري لشمال الشام من استباحة وتقسيم وتفتيت اصاب العراقوطرق ابواب لبنان, وما حدث من تحولات شقت الصف الفلسطيني بحيث اصطفت بعض القياداتفي المربع الاسرائيلي وتوافقت معهم علي تصفية اخوانهم في غزة, وكيف انقلب الحالفي الامة العربية بحيث اصبح العرب هم الذين يلاحقون اسرائيل بمبادرة السلام,والاسرائيليون هم الذين يتمنعون ويسوفون. وكيف بسطت واشنطن سلطانها علي العالمالعربي, بسياساتها التي أصبحت تحرك مساراته وقواعدها العسكرية المبثوثة فيارجائه. وماذا سيقولان عن العبث الامريكي في المنطقة الذي يحاول ان يقنع بعضالعرب المعتدلين بالتحالف مع اسرائيل في مواجهة ايران. وكيف سيريان تأثر أمن مصرالمائي بانفصال جنوب السودان الذي يلوح في الافق, وأمنها القومي بالتوتر الحاصلمع بدو سيناء- خط الدفاع الاخير عن مصر- وباللغط المثار حول وضع النوبيين فيجنوب البلاد.ان مصر لاتستطيع ان تري هذه الاحداث تتفاعل وتتلاطم حولها ثمتدير ظهرها لها وتلتزم الصمت, خصوصا ان اسرائيل المدججة بالسلاح النووي عليحدودها تسعي لتحديث جيشها بأكثر الاسلحة تقدما وأشدها فتكا, متأهبة بذلك لقيادةالمنطقة والدفاع عن امنها القومي الذي تدعي انه يمتد من المحيط الهندي الي البحرالمتوسط. وهو ما يدعونا الي الالحاح علي دق اجراس الإنذار والتنبيه طول الوقت لكييستيقظ الغافلون ويفيق الذاهلون قبل فوات الأوان, لان كلا من الانزواء اوالانكفاء يعد ترفا لا نملكه, ناهيك عن انه يفتح الباب واسعا لتهديد الامن القوميلمصر.
هذا الموضوع منقول من جريدة الاهرام وفيه الكثير منالاهمية للواقع المصرى الاستراتيجى
ليس مفهوما أن يسود مصر القدر الذينشهده من الاسترخاء والانكفاء, في حين أن البلد في خطر داهمودائم
(1)الدهشة من عندي والتذكير بالخطر الدائم المحيط بمصر قال به اثنانمن أهم الباحثين الاستراتيجيين في تاريخمصر الحديث, هما الدكتور حامد ربيع أستاذالعلوم السياسية والدكتور جمال حمدان أستاذ الجغرافيا السياسية. وكل منهما علمومدرسة في مجاله. الاثنان تحدثا عن أن مصر تدفع ضريبة موقعها الاستراتيجيالحاكم. فالدكتور حامد ربيع في كتابه نظرية الأمن القومي العربي ذكرنا بمصر التيكانت قلب العالم القديم, ونقطة الالتقاء بين القارات الثلاث إفريقيا وآسياوأوروبا, الامر الذي حولها إلي دولة معبر ودولة التقاء, ازدادت أهميتها بعد شققناة السويس بحيث أضحت محور نظام الاتصال العالمي. وهو مابرز خلال الحربينالعالميتين, خصوصا الحرب الثانية, فاستوعبته بريطانيا التي جعلت أحد وزرائهايقيم في القاهرة. ورغم التحولات التي طرأت لاحقا علي الاستراتيجيات العالمية,فإن قناة السويس ظلت تتحكم في توازنات القوي العسكرية وخريطة التعامل مع القويالعظمي في العالم, بحكم دورها الضروري والحاسم في الربط بين المحيط الهندي والبحرالأبيض المتوسط. وهي الخلفية التي تفسر لنا لماذا مصر دائما في خطر, ذلك أنالأهمية توجد الاهتمام. والاهتمام ليس إلا نقطة بداية لما لا حصر له منمساعي الاحتواء والإخضاع من جانب القوي العالمية ذات المصالح والأطماع فيالمنطقة. ولمقاومة هذه المساعي فليس أمام مصر خيار من الناحية الاستراتيجية. إذأن قدرها يفرض عليها أن تظل مستنفرة ومفتوحة الأعين علي مايدور حولها دائما,وقابضة علي أسباب العافية والمنعة في كل حين.الدكتور جمال حمدان تحدث عماسماه جناية الموقع( شخصية مصر ـ جزء2), فقال إن الموقع جني علينا وأغري بناالاستعمار والأطماع الامبريالية. وقد اعتبر نابليون أن مصر هي أهم موقع استراتيجيفي العالم أجمع حتي قيل من بعده قل لي من يسيطر علي مصر, أقل لك من يسيطر عليالعالم وذهب آخرون إلي أن بلدا بمثل الأهمية التي تتمتع بها مصر, لاينبغي أن تتركلنفسها, وان تظل مستقلة من الناحية السياسية. وبسبب أهمية الموقع هذه, فإنهاظلت علي مدي تاريخها مطمعا للآخرين, حتي يقدر بعض الباحثين أن40 أمة غزتهاوسيطرت عليها. اذ خلال تاريخها الطويل فإنها عاشت مستقلة3300 سنة مقابل2000سنة من الاحتلال والتبعية للآخرين.
(2)رغم أهمية الموقع, فإن مصر يحيطبها فراغ قاتل ـ كما يذكر الدكتور ربيع ـ إذ هي محاطة بالبحر من الشمال, والصحراءفي الشرق. والأخطار التي هددتها تاريخيا جاءت من هذين الموضعين. من البحرالقابع في الشمال جاء الإسكندر الأكبر وقيصر روما ونابليون, ومن الصحراء القابعةفي الشرق جاء الهكسوس الذين حكموا مصر طيلة خمسة قرون. وهناك زرعت اسرائيل لتظلخطرا دائما يهددها. وبسبب الفراغ المحيط بها فقد كتب عليها أن تواجه الأخطارالمحيطة بها وهي معتمدة علي نفسها ووحيدة مسيطرة بكبرياء, أو مسحوقة تابعةبصبر, ولكن دائما وحيدةمايثير الانتباه والدهشة أن مفهوم الأمن القوميلمصر كانت معالمه واضحة في مختلف مراحل التاريخ, حتي في المرحلة الفرعونية.وعند الدكتور حامد ربيع فإنه رغم أن دولة مصر الفرعونية لم تكن منفتحة ولاتسعي لأيسيطرة إقليمية, وكانت مصر آنذاك إفريقية بأكثر منها آسيوية, فإن قياداتهاالواعية فهمت أن الدفاع عن حدودها الشرقية لايجوز أن يتمركز حول حدودها الطبيعية(في سيناء), وإنما يجب أن يبدأ من شمال سوريا, وعلي وجه التحديد من منطقةالأناضول, وحروب تحتمس ورمسيس تشهد بذلك, حيث عبرت عن إدراك حقيقة أن مصرلاتحتمل ولاتسمح بوجود قوة معادية علي حدودها الشرقية. بل إن صفحات التاريخالقديم تشير إلي أن كل فرعون حكم مصر, سعي إلي تأمين البلاد من خلال حملة قادهاإلي سوريا, أو غزوة قصدت ليبيا, أو زحف استهدف إخضاع النوبة.في كلمراحل التاريخ كانت العلاقة بين مصر والشام علاقة عضوية, بحيث يمكن القول بأنالساحل الممتد من الإسكندرونة حتي الإسكندرية هو قطاع استرايجي واحد. وكما يقولالدكتور حمدان فان من وضع قدمه علي أي طرف أو نقطه فيها وصل إلي الطرف الآخرتلقائيا. معني ذلك ـ يذكر الدكتور ربيع ـ أن من يسيطر علي الشام يهدد مصر, ومنيتحكم في مصر يهدد الشام. هذه المعادلة فهمها عمرو بن العاص جيدا, وعبر عنقناعته بها للخليفة عمر بن الخطاب, حين أخبره بان الدولة الإسلامية الناشئة إماان تفتح مصر وإما أن تنسحب من الشام. ونابليون انسحب من مصر عندما فشل في فتحعكا, والسياسة البريطانية حين أرادت أن تتحكم في مصر, جعلت تبعية فلسطين اوالجزء الجنوبي من الشام قاعدة لتحركها في المنطقة. بسبب من ذلك اتفق العالمانالكبيران مع غيرهما من الباحثين الاستراتيجيين علي أن خط الدفاع الأول عن مصر هوشمال الشام( جبال طوروس), وخط الدفاع الثاني يقع في الجزء الجنوبي يتمركز حولالمنطقة التي عرفت باسم أرض فلسطين. أما خط الدفاع في سيناء فهو في الواقع خطالدفاع الأخير, وهو اليوم يتمركز حول قناة السويس.
(3)إزاء تلكالأهمية الاستراتيجية لم يكن غريبا أن تتركز جهود قوي الهيمنة علي إضعاف مصروتحجيمها واختراقها ما وسعت الي ذلك سبيلا, وهو ما يفسر لنا اصرار الدول الغربيةعلي ضرب مشروع محمد علي باشا في القرن التاسع عشر ومشروع جمال عبد الناصر في القرنالعشرين وهو ما يفسر لنا أيضا ان مصر كانت اول دولة زحف عليها الاستعمار فيافريقيا, وأول دولة جري استدراجها للصلح مع اسرائيل, واخراجها من دائرة الصراعالعربي الاسرائيلي, تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية.لقد قال لي ذاتمرة الخبير الاستراتيجي الفلسطيني منير شفيق ان البعض يتحدثون عن التضحيات التيقدمتها مصر لفلسطين, لكن الحقيقة ان فلسطين هي التي صلبت من أجل ضرب مصر, لأنفلسطين لم يكن فيها ما يغري باقامة وطن لليهود, مع ذلك فقد وقع الاختيار عليها منبين عدة بدائل أخري في أمريكا اللاتينية وافريقيا, لا لشيء إلا لكي تصبح منصةغربية في مواجهة مصر وحاجزا يحول دون تواصلها مع الشام, الامر الذي يعني انهاكانت حجرا ضرب عصفورين في وقت واحد, أحدهما تهديد مصر و تكبيلها, وثانيهما:تحقيق رغبة الحركة الصهيونية في اقامة وطن لليهود, أضاف صاحبنا ان كل ما يقالالآن عن أرض الميعاد وهيكل سليمان هو كلام قيل في وقت لاحق لتغطية العملية, علمابأن آباء المشروع الصهيوني كانوا ملحدين ولا يؤمنون بمثل هذا الكلام.ماآثار انتباهي انني سمعت الحجة في السودان من الدكتور حسن مكي مدير مركز الدراساتالافريقية, الذي قال لي ان حرب الجنوب التي انهكت السودان وعوقت حركته هي حربمصرية بالاساس, والدور الاسرائيلي الذي لم يعد سرا في اذكاء تلك الحرب وتأجيجنارها, والمساندة الامريكية الكبيرة لحركة الانفصال, لم يكن لها من هدف سويازعاج مصر وإضعاف عمقها الاستراتيجي, من هذه الزاوية فإن السودان, كمافلسطين, من ضحايا جهود القوي الكبري لحصار مصر وتطويقها, بما يحول دون قيامهابدورها التاريخي الفاعل.إذا جاز لنا بعد ذلك ان ندير البصر من حولنا,فسنجد ان ثمة متغيرات مثيرة للغاية في الصناعات العسكرية, طورت من الاسلحة بحيثألغت المسافات, وقلبت معايير المجال الحيوي والامن القومي, بما يستدعي النظر فيجميع المحددات التي نعرفها بهذا الخصوص او ذاك, لكننا أيضا سنجد ان مصر المكانةلم تعد تقلق العدو ولا تسر الصديق, وان مصر المكان هي الآن موضع البحث واللغطوالمساومة, وان أحد شواغل المخططين الغربيين ليس فاعلية الدور المصري وتأثيره فيالعالم العربي, لكنه أصبح يتركز في كيفية استثمار غياب مصر أوما تبقي لها من رصيدفي تنفيذ وتمرير المخططات الغربية للمنطقة.
(4)لا أعرف ما الذي يمكن انيقوله العالمان ربيع وحمدان اذا قدر لهما الاطلال علي المحيط الاستراتيجي لمصرالراهنة, حين يريان الذي جري لشمال الشام من استباحة وتقسيم وتفتيت اصاب العراقوطرق ابواب لبنان, وما حدث من تحولات شقت الصف الفلسطيني بحيث اصطفت بعض القياداتفي المربع الاسرائيلي وتوافقت معهم علي تصفية اخوانهم في غزة, وكيف انقلب الحالفي الامة العربية بحيث اصبح العرب هم الذين يلاحقون اسرائيل بمبادرة السلام,والاسرائيليون هم الذين يتمنعون ويسوفون. وكيف بسطت واشنطن سلطانها علي العالمالعربي, بسياساتها التي أصبحت تحرك مساراته وقواعدها العسكرية المبثوثة فيارجائه. وماذا سيقولان عن العبث الامريكي في المنطقة الذي يحاول ان يقنع بعضالعرب المعتدلين بالتحالف مع اسرائيل في مواجهة ايران. وكيف سيريان تأثر أمن مصرالمائي بانفصال جنوب السودان الذي يلوح في الافق, وأمنها القومي بالتوتر الحاصلمع بدو سيناء- خط الدفاع الاخير عن مصر- وباللغط المثار حول وضع النوبيين فيجنوب البلاد.ان مصر لاتستطيع ان تري هذه الاحداث تتفاعل وتتلاطم حولها ثمتدير ظهرها لها وتلتزم الصمت, خصوصا ان اسرائيل المدججة بالسلاح النووي عليحدودها تسعي لتحديث جيشها بأكثر الاسلحة تقدما وأشدها فتكا, متأهبة بذلك لقيادةالمنطقة والدفاع عن امنها القومي الذي تدعي انه يمتد من المحيط الهندي الي البحرالمتوسط. وهو ما يدعونا الي الالحاح علي دق اجراس الإنذار والتنبيه طول الوقت لكييستيقظ الغافلون ويفيق الذاهلون قبل فوات الأوان, لان كلا من الانزواء اوالانكفاء يعد ترفا لا نملكه, ناهيك عن انه يفتح الباب واسعا لتهديد الامن القوميلمصر.