مشاهدة النسخة كاملة : بين تربية العقول ... وتربية (العجول) !


softchem
06-01-2008, 07:57 PM
نعم هناك فرقٌ كبيرٌ جدا بينهما، فتربية عجلٍ واحدٍ فقط وليس مجموعة من العجول، مدة شهر واحدٍ في حظيرةٍ، تُدرُّ على صاحبها ربحا أكثر من مرتب شهر قمري كامل لمُربي العقول، أي لمدرسٍ من المدرسين، وإذا أحسن مُربي العجول إعلاف العجل وتسمينه فإن ربحه قد يفوق مرتب المدرس في شهرين أو أكثر، لأن العجل يُباعُ دائما بمقدار حجمه وشحمه، لا وفق شكله وسيرته وعقله،أما إذا تمكن صاحبُ العجل أن يختار الشراء والتسمين في موسم ذبح العجول، فإن ربحه الصافي من العجل قد يفوق ما سبق بكثير.
لامَ أحدُ مُربي العجولِ أخاه الذي يحول دون التحاق أحد أبنائه بصناعة تربية العجول وذبحها، بدلا من الدراسة ومشقتها، فهذا الأخ في نظر أخيه - مُربي العجول - لا يحب الخير لابنه ، فلن يكون ابنُهُ في المستقبل صاحب نعمه ، لأنه حكم على ابنه بالشقاء الأبدي في المدارس والجامعات، ليخرج في النهاية موظفا، راتبه الشهري أقل بكثير من عمل نصف يوم عيد الأضحى،ليس في تربية العجول ، بل في ذبحها، إذ أن ما يتقاضاه ثمنا لذبح العجل الواحد في ساعة يبلغ مائة وخمسين دولارا، ماعدا ما يأخذه من أضحية الذبح كجلدها ورأسها !
المشكلة أن أخاه الذي لا يرغب في أن يسمح لابنه أن يلتحق بصناعة عمه في تربية العجول، يعمل هو الآخر مُربيا (للعقول)أي مدرسا، منذ أكثر من ربع قرن، وهو لا يملك بيتا مستقلا لأولاده ، ولا يستطيع لعُسره وضيق ما في يده الإنفاق على تعليم أبنائه الخمسة إلا بمعونة أخيه مُربي العجول الذي يعمل هو وأولاده الذين أخرجهم من مدارسهم في الصفوف الأولى ليتعلموا فن المهنة، فن تربية العجول.
والأخ مربي العجول يعيش في بُحبوحة من العيش الرغيد، وتجري النقود في يديه كما الهواء، وهو يقول : إن كثيرين استفادوا من تجربته في الحياة وتأثروا به إلا أخاه الذي يُصرُّ أن يورث أبناءه الفقر والفاقة والعوز!
قصة الأخوين - مُربي العقول ومُربي العجول -أعادتني مُجبرا إلى زوايا التاريخ لأجد بأن مهنة تربية العقول إحدى المهن التي لم تحظَ بالازدهار مطلقا في التاريخ، على الرغم من أن المهن تزدهرُ في عصر وتكسد في زمنٍ آخر، إلا تربية العقول ، فأبو عبد الله البكري الأندلسي يقول عن مهنة(الوراقة) أي مهنة الكتب وتربية العقول بالأوراق، :
أنها أكسد المهن وأحفظ له بيتين من الشعر ::
أما الوَراقةُ فهي أنكدُ حرفةٍ ... أوراقها وثمارها الحرمانُ
شبَّهتُ صاحبها بصاحبِ إبرةٍ.... تكسو العُراة وجسمها عَريانُ
أما أبو حيان التوحيدي فقد أفقدته مهنةُ الوراقة عقلَهُ فصاح قائلا : " إنني لا أرتزقُ من التأليف والنسخ وتزويق الكتب بالخط الجميل في أشهرٍ مثلما يرتزق البليدُ في يوم "
ثم أقدم على فعلة شنعاء قبل أن يموت ، فأحرق كتبه كلها وهو يقول : " والله ما أحرقتك إلا بعد أن كدتُ أحترق بك"" وقال وهو يُحرقها :
"النارُ أولى بالذي أنا جامعٌ
إما لدفءٍ أو لنضج طعامي "
كما أن إمبراطور شعر الحكمة (المتنبي) يقول :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
ويقول آخر : وحلاوة الدنيا لجاهلها ..... ومرارة الدنيا لمن عقلا
ويقول :
مَن لي بعيش الأغبياء فإنه .... لا عيشَ إلا عيشُ من لم يعلم !
حتى المتنبي مات مقهورا كما مات أبو العلاء المعري زاهدا موتورا ، وهذا ينصرف على أغلبية المبدعين من الفلاسفة والمفكرين، فأرسطو وأفلاطون وكانط وسبينوزا ونيتشه كانوا على هذه الشاكلة، ولم يشذَّ عن القاعدة إلا قليلون ممن نجحوا في جعل صناعة العقول تكئةً توصِّلُ إلى الثروة كما فعل فولتير حين أصبح مليونيرا، بعد أن صار إقطاعيا في بيرن وكما فعلتْ كاتبة سلسلة قصص هاري بوتر (جوان كاثلين رولينجز ) المولودة عام 1965 في أدنبرة ببريطانيا وهي بالمناسبة مُدرِّسةٌ أي مُربية عقول أدركت بعد خمس سنوات من العمل في مهنة تربية العقول أنها مهنة الفاشلين فلجأت إلى تربية الخرافات فنشرت عام 1990 (هاري بوتر وحجر الفيلسوف) قصة من السحر الأسود، فتحولت من مهنة تربية العقول، ومن كونها امرأة مُطلقة يائسة إلى مليونيرة يبلغ سعر الجملة الواحدة التي تكتبها في فن السحر ثلاثمائة وستين جنيها إسترلينيا فقط لا غير، وسعر الجملة الواحدة السابق يعادل في وطني مرتب شهر لمدرس يوشك أن يتقاعد من عمله!
وأخير ألا يحق لنا أن نتساءل عن سرِّ ما يجري في عالمنا ، هل هو عفويٌ، أم أنه يجري بمخطط مدروس؟
هل تفتيح العقول وتنشيطها يعتبرُ خطرا على مستقبلنا ؟
وهل تفتيح العقول وتربيتها يُهدد أمن البشرية ويُعرّض المغامرين السياسيين والقادة والتُّجاروالفاشلين فيها للخطر؟
ولماذا أصبح المدرسون هم أفقر الطبقات وأقل البشر رتبة ومرتبا في معظم بقاع الأرض، إلا في بعض الدول فقط ؟
ويبدو أن الحكمة الجديدة التي أنحتُها أصبحتْ هي الأساس :
تربية العجول أفضل التجارة
أما العقولُ فمهنةُ الخسارة ؟!!

فاطمه العمري
07-01-2008, 08:13 PM
رائعة اخي softchem واختيارك للعنوان ممتاز ويجذب القارئ وتسلسلك بالاحداث واستخدام القصة اضفى عليها اسلوبا راقيا ورائعا.......
ولكن قد اختلف معك ومع اصدقائنا الذين ذكرتهم فنستطيع ان نعتبر صاحب العجول مربي عقول كيف؟؟
بأن ساعد ابناء اخيه على الدراسة ومصاريفها وهنا ساهم بما يملك في تربية العقول ولو انه لم يكن مع الفكرة ولكن هذه خطوة جدا رائعة منه .........
وكم اتمنى من اصحاب الثروة بالمساعدة في تربية العقول لانها ستعود عليهم بالخير ع المدى الابعد والاطول في الدارين الدنيا والاخرة ولنذكر من اصحاب الثروة الذين ساهمو في تربية العقول وكان من الناجحين واستفاد من اصحاب العقول الرئيس رفيق الحريري رحمه الله...
اما بالنسبة لمهنة التعليم فهي مهنة تشريفية اكثر من كونها مهنة تدر ارباحا
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا..
ولنذكر من اقوال الامام علي رضي الله عنه ان من تعلم من أجل المال فهو في النار فالتعليم للعلم ولافادة البشرية وليس للربح ولكن للاسف في بعض الجامعات العربية اصبح العلم تجارة وباسعار مرتفعة واصبح الطالب ياخذه وينجح بالمادة دون فهمها كي لا يضطر لاعادتها مره اخرى ودفع تكاليف باهظة الثمن فهل هذا شئ سوي وجيد؟؟ اذا كان التعليم بالمدارس مجاني ولازلنا نعاني من تخلف وجهل ماذا لو اصبح بأجر ماذا سيحدث؟؟؟
بالنسبة للمعلم وصاحب العلم بالتأكيد سيكون اذكى من ذلك ولن يعتمد ع وظيفة التعليم وسيصبح ايضا من اصحاب العجول او يشاركهم بعقله لكي يكسب على المدى القصير من تربية العجول اما المدى البعيد والافضل وهو تربية العقول سيبقى في رصيده ويفيد ويستفيد لانه هو من اصحاب العقول والتي نتمنى ان تكون عقول راجحة سيكسب الجهتين......
شكرا لمواضيعك المتميزة
تحياتيـ،،