مشاهدة النسخة كاملة : الفنون التشكيلية رسما بالحاسوب...


حسين أحمد سليم
28-10-2006, 05:44 PM
وجهة نظر


الفنون التشكيلية رسما بالحاسوب
لغة العصر مع الاحتفاظ بالأصالة

حسين أحمد سليم

خاض الفنان , منذ بزوغ فجر التاريخ البشري , وعلى مراحل زمنية متعاقبة الحقب . صراعا نفسيا عميقا , أجهد تفكيره من خلاله , لإيجاد الصيغة الرمزية المناسبة , ليعبر عن فهمه لمعالم الطبيعة ومظاهرها وبالتالي إدراكه لمطاويها , إضافة لتجسيد مدى تعمقه في مجاهلها , وسبر أغوارها , وكشف أسرارها ...

فتارة واجه الأشياء متحديا , بالتعبير عنها , بما يتلاءم واحتياجاته النفسية , إن بالصوت أو الإشارات , أو الرسم الغباري بأصابعه على الأرض . وتارة أخرى , كان عليه مواجهة إشكالية أكبر , تتلخص في صنع أداة مناسبة التعبير , التي تلائم قدرته التعبيرية , من الأشياء التي يعايشها , وتحيط به , وفي متناول قدرته , سواء حجرية أو نباتية أو ترابية , أو من بقايا أجساد الحيوانات , كالجلود والعظام وغيره ...

في القرون الماضية , استفاد الفنان من اكتشاف الألوان , من خامات الطبيعة الترابية , إلى جانب استخدامه أدوات ووسائل أولية , من أقلام فحمية , وفراش من شعر ووبر الحيوانات , وأوراق النباتات , وجلود الحيوانات ... وصولا إلى الثورة الصناعة في عصر النهضة , حيث بدأت تلوح في الأفق الصناعات المتعددة , والأدوات المختلفة , والتي خدمت الفنان بشكل متقدم , ووفرت عليه الكثير من بذل الجهود والتعب المضني , في اختراع المواد المطلوبة لصناعة اللوحة الفنية , وقدمت له الألوان الكيميائية الصنع , والفراشي المتقنة , والملاعق المعدنية الفنية , والخامات الملائمة المسبقة التحضير والصنع , إضافة إلى أنواع كثيرة من الأقلام والكرتون , والأدوات الملحقة ...

ومع بدايات القرن العشرين , بدأت تتفاعل حركة الاختراعات والاكتشافات . بحيث تقدمت العلوم تقدما متسارعا على كافة المستويات , مما خلق ثورة علمية شاملة , سيما في علم الاتصال , الذي أصبح يقوم بدور مؤثر وفعال وقوي ومؤكد على الإنسان في حياته اليومية , إضافة إلى تكوين معارفه وثقافته وتوجيهه , وبالتالي تأطيره في مسارات موجهة ... وهكذا حركة التكنولوجيا المتقدمة , التي وصلت إلى حد شبه السيطرة على حياة الإنسان , في مجالات عديدة ...

في هذا الغمار , واجه الفنان الواقع المستجد , بفكره الثاقب وحاسته القوية , انطلاقا من متطلبات الفعل الفني الحديث , في رؤى رسم معالم الغد المأمول , فخاض التجربة مجددا , من واقع إدراكه لجسامة المهام الملقاة على عاتقه , ومدى المسؤوليات المنوطة به ... فحمله تفكيره الطموح إلى محاكاة آلة العصر الرقمية المبرمجة ...

في هذا العصر , ونحن نلج متاهات التكنولوجيا المتطورة , مع بدايات القرن الحادي والعشرين ... ومن منطلق أن لكل عصر أداته الملائمة , ولكل جيل لغته المحكية , ولكل مهنة آلاتها المستحدثة ... يخوض الفنان التشكيلي المعاصر اليوم , التجربة المثيرة في حقل الفن التشكيلي المعاصر , بجسارة القادر , وإدراكه العميق لعلمانية العصر ومتطلباته ...

انطلاقا من محاكاة التقنيات , من خلال المدركات الحديثة , في عالم الرؤية , والناتج المثير من الأجهزة العلمية المتطورة , وخاصة أجهزة الحواسيب الرقمية , والتي أصبحت في متناول الجميع . والكل يتعاطى مع هذه الآلات المعلبة , مهما كانت مهمته , ومهما كانت مسؤوليته ...

الحاسوب الرقمي , المارد الراكض في معلبات العصر الحديث , الرابض فوق منصة المكتب , أو المحمول يدويا كمفكرة , والذي صار مدينة ألعاب متسعة للأطفال , ومكتبة معرفية مكتظة وواسعة جدا , ووسيلة اتصال فاعلة , تختصر العالم في قرية صغيرة ...

الحاسوب الذي اختصر زمن المعاناة في كل العلوم , وفي كل الحرف اليدوية والفنية . بحيث أصبح يقاس فكر الإنسان , بقدرته العظيمة ... والحاسوب , هو هذا المخزون البشري , لطاقة الإنسان في صورة محددة داخل هذا الجهاز , الذي قد يبدو لغير المدركين معقدا جدا . وهو في حقيقة أمره أداة تيسير للإنسان , وتمكنه من توفير طاقاته الفكرية والعضلية ... وهنا يصبح العقل البشري , هو الحد الفاصل بين إنسان وإنسان آخر ...

من هذا المنطلق , نرى أن الفنان التشكيلي المعاصر , انحاز مع العصرنة إلى محاكاة التجربة الآلية العصرية وتطويعها , وانقاد إلى التلاحم مع الآلة العلمية الفنية المثيرة للعقل , المحفزة له لخوض التجارب العلمية المتعددة والفنية المختلفة , من خلال تعامله الآلي مع العديد من البرامج الفنية العالية الدقة ... والتي من خلالها أعطى لنا , العديد من التجارب المبدعة والخلاقة , في عالم الرؤية الفنية المعاصرة , من خلال اختصاره للزمن الضائع في مهارة وتقنية الحرفة , إن على صعيد الرسم الفني التشكيلي , وان على صعيد الرسم الهندسي , أو على صعيد الرسم التجاري , أو الرسم الصناعي , أو على صعيد التحديث وإعادة توقيع المشهد , مرورا بعملية الإخراج الشاملة , وصولا إلى المزج بين معالم عدد من اللوحات في مشهد واحد , ناهيك عن التقنية المتطورة في التعاطي مع أنواع لا حصر لها من الحروفيات الخطوطية العربية والأجنبية ... وهذا وقد لعبت المخرجات الحديثة , من طابعات وراسمات , إن بالقلم , أو بالحبر السائل , أو بالحير الجاف , على أنواع من الورق العادي , ورق التصوير العالي الجودة , أو أنواع الجلد الصناعي المختلفة ... مما رفدت السوق بثورة أخرى من المعطيات الفنية المتداولة بشكل واسع , والتي اختصرت الكثير من الوقت ... ولكنها أثرت سلبا على اليد الفنية العاملة , مما اضطرها إلى التوقف أو مجاراة الحدث الصناعي الجديد , واعتماد الوافد المعلب , ما يسمى بالحاسوب ...

الفنان , هو هذا الإنسان العظيم , الذي يكتشف كل يوم رؤية جديدة , في عالم الفن التشكيلي , وما زالت اكتشافاته المتلاحقة , والمثيرة , التي يحترم فيها العقل ومدركاته , ترسم معالم الغد في تشكيل فني عصري متطور ومتقدم , بتقنية جد عالية . وهذا ما برز جليا وواضحا , على يد بعض الفنانين اللبنانيين , في الكثير من المعارض الفنية للوحات التشكيلية , التي أنتجت بواسطة الحاسوب بمحاكاة البرامج العلمية الفنية التي انتشرت وعمت العالم ...

والفن التشكيلي , ليس هو فقط ما تركه لنا السلف ... فعلى الإنسان الفنان المعاصر , أن يصنع حياته الفنية الجديدة , التي تلائم مفاهيم العصر , وعلينا كفنانين , أن نتكلم أيضا , لغة الأجداد التي حفظناها عن ظهر قلب ... لأن فنان اليوم , ليس ناقلا للغة الأجداد فقط , بل عليه اجتياز حائط الإحباط الفكري والفني , إلى عالم الابتكارات الفنية اللامحدود , مع الاحتفاظ بمعالم الأصالة التراثية ... ومهما يكن , فإن الحاسوب وإن قلب الكثير من الموازين في مسارات الفنون التصويرية والتشكيلية , إلا أنه بقي عاجزا عن إعطائنا محصلة مميزة ومتقنة , على القماشة أو الخشب , وبالألوان الزيتية المختلفة , أو المائية المتنوعة على الأقل ... رغم كل التقنية العالية الدقة في النتائج الأخرى , في شتى مجالات الرسم الفني والهندسي والتجاري والصناعي ... والتصوير الرقمي , المعالج بواسطة برامج مشهورة عالميا ...

محمد عصام الدين
29-10-2006, 04:05 PM
شكرا على المقال

و نتمنى نرى بعض من أعمالك


و شكرا