nuha
27-06-2006, 01:20 PM
م/ علي عثمان الناجم
(عضو الجمعية السعودية لعلوم العمران والهيئة السعودية للمهندسين )
ص ب 5190 الدمام 31422
البريد الألكتروني:
aliuth5@yahoo.com
بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة كمثال
الرؤى الجمالية في الدار التقليدية-توطئة
أحيانا تفقد الأمل وأنت تبحث في المدينة الخليجية الحديثة من هنا وهناك عن ملامح جمالية مدروسة .فتعود بخفي حنين دون أن تحقق غايتك. إن القيم الجمالية تكاد تتلاشى من المدينة وتذوب في صرعة العصر وموجته التغريبية نحو الحداثة وطلب التقنية ومحاولة اللحاق بالمدنية والتحضر . هذه الهجرة الفجائية السريعة في المدينة الخليجية الحديثة نسيت خلفها تراث ماض عريق حافل بالكنوز التراثية.والتراث المعماري يتصدر قائمة هذه التحف الثمينة بكل المقاييس . ولاشك أن القيم الجمالية التي خلفها ذاك التراث على أطلاله لاتقدر بثمن وتعد من فرائد هذه المنطقة .هذه المقالة تبحر في تحفة تراثية عمرانية تقليدية في دولة البحرين لتلتقط بعض درر الجمال المعماري النادر المثال في أحياء هذا البلد العريق. هذه التحفة المعمارية هي بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفةرحمه الله تعالى الذي شيد في قلب العاصمة القديمة -المحرق- في حوالي عام 1800[1] فإن انسلخت كثيراً من المعاني عن اللوحة المعمارية المتشكلة على كل سطح من جداريات العمارة المحلية المعاصرة ، فإنك تقرأ على جدران عمارة الماضي قصصاً مختلفة ومتنوعة وتستمع بمعاني جمالية رفيعة، بيئية واجتماعية وبصرية تطرحها أجزاء هذه المقالة المختصرة .
المعاني البصرية
ينحو كثير من الواصفين المعماريين في تذوقهم للعمل المعماري بالإعتماد على الشكل والتأثير البصري . فنتوري أحد رواد العمارة في هذا القرن برز في هذا الإتجاه وأبدع كثيراٌ حتى أصبح كتابه التعقيد والتناقض في العمارة Commplexhty and Contradiction in Architecture “ أحد الكتب النادرة في هذا القرن التي تناقش الجمال المعماري في العمارة المعاصرة الذي نحن في أشد الحاجة لمثله خاصة فيما يتعلق بتطبيقه على البساطة المبتذلة التي انتهجتها عمارتنا المحلية والإقليمية.ويتميز هذا الكتاب بأنه يركز على دروس بليغة في استلهام التراث المعماري وبالأخص الأشكال التراثية أو مايسميها فنتوري بالعناصر التاريخية والتقاليد ويدعو إلى توظيفها بشكل فعال في العمارة المعاصرة.وهو كتاب قيم يعتمد على تحليل الظواهر الجمالية.ولعله أهم كتاب كتب في صنع العمارة منذ كتاب لكوربوزييه نحو عمارة ما "Vers Une Architecture". ففنتوري يبرز في تحليله العجيب بحيث يجعلنا فعلاً نرى الماضي بمنظار جديد.ولهذا جمع الأسلوب البصري مع المقصد الثقافي الرفيع. ويؤكد أن العمارة الجيدة تستحضر عدة مستويات. ولهذ فنتوري يرى أن العمارة الحديثة انساقت الى البساطة المبتذلة والشكل المستطيل والعزل والإستبعاد [2]. وهذه من المشاكل المعاصرة التي وفدت إلينا مع مذهب العمارة الحديثة واتجاهاتها."فقد شجعت العمارة الحديثة العزل والتخصص على كافة المقاييس والأصعدة في المواد والتركيب الإنشائي شأنهما في ذلك شأن برنامج المتطلبات والفضاء... بالإضافة إلى تخصيص شكل معين إلى مواد وتراكيب إنشائية معينة فإن المعماري الحديث يقوم بعزل العناصر وتحديدها من خلال العناية الفائقة بالتفاصيل ..." (فنتوري 1986م) ويشير فنتوري عن تجربته والعمارة الحديثة "في العمارة الحديثة كثيراً ما اضطررنا للعمل تحت القيود التي تفرضها الأشكال المستطيلة المتعنتة والتي يفترض فيها أن تكون نابعة من المتطلبات التقنية للهيكل الإنشائي والجدار الستائري المنتج بالجملة" (فنتوري 1987م) ومن ألأمثلة على معماريي العماره الحديثة رايت Frank Loyd Wright فكان يموه إستثناءاته ويحاول أن يؤكد أفقياته كثيراً. أما ميس Mies Van der Rohe فقد كان لايسمح لأي شئ أن يعوق تجانس أجنحته الكاملة دوماً والمؤلفة من النقطة والخط والسطح . حتى فنتوري نفسه وبالرغم من إنتقاده العمارة الحديثة إلا أنه كان يقتصر على الجانب البصري كعادة العمارة مابعد الحديثة فكانوا لايرون غضاضة في إستيعاب العمل المعماري لعناصر وأشكال تاريخية يرى المصمم أهمية إيجادها لإحداث أثر نفسي لدى المتلقي بلاأية ضرورة [ 3 ] .
العمارة المحلية المعاصرة اتسمت بالواجهات المملة في أصنافها السكنية والشقق والمكتية والتجارية وغيرها.لقد دب الشكل الموحد الخارجي-وأحياناً المنتج بالجملة Mass Productio إلى المساكن حتى وكأن العلم المعماري قد انحسر ، بل وكأن الساكن أو المستخدم ربوت مكرر. و إذا تناسيت الوحدات السكنية -افتراضاً - فاجأتك المباني المكتبية في إبتذالها وبساطتها المتناهية في إختفاء هيكلها وهيمنة قشرتها الزجاجية وقد خلت من أي معنى .لكنك إذا تحولت إلى الدار التقليدية هالتك التراكمات الجمالية وخاصة المعاني البصرية ، حتى تأسر عينك فتقف أمام عضمتها مشدوهاٌ منبهراً أمام ماتراه من إبداع .بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة رحمه الله تحفة تراثية يسجل حفظها بفخر لحكام هذا البلد المعطاء ذو التحف المعمارية التقليدية المتميزة الذين حملوا على عاتقهم خدمة تاريخ هذه الأرض.جاء في إفتتاحية كتاب( بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة) لوزارة اعلام حكومة البحرين"منذ بدأت وزارة الإعلام خطتها في ترميم الأماكن التاريخية في البحرين كانت تضع نصب أعينها الهدف المنشود بأنه بإكتمال عملية الترميم ستكتمل الصورة الجلية لتاريخ هذا البلد العريق المتشح بماض حضاري خالد".
فإذا بدأنا الرحلة الجمالية في البيت فإننا إذا غضينا الطرف عن كل الجهات وتأملنا الجهة الميتة -الجنوبية - إذا صح اللفظ على انها الأقل ثراءا في الجماليات ،لوجدناها إبداعالإ نادرا الوجود في العمارة الحديثة.المحلية.بالرغم من أن السطح يكاد يكون مستوياً إلا ان البادجير المنتشر على وارش السطح كسر الإستواء بتجاويفه لتتساءل :هل السطح مستوي أو مجوف. فتعيش مع هذا السطح الجنوبي حالة من الغموض المحبب.وإذا كان الإنفتاح على الداخل يكون بإنفراج واسع جدا كما في الليوانات العلوية حتى تحار إن كان الفضاء مفتوح أم مغلق ،فإن الإنفتاح في البادجير محدود يتناسب مع الكتلة الجدارية المصمتة. وقد " تم استخدام البادجير (مأخوذ من أبراج الهواء الإيرانية-الكلمة الفارسية له بادكير) نظراً لرطوبة المناخ بهذه المنطقة بغرض تحريك الهواء فهو يسمح بدخول الهواء دون أشعة الشمس ويمنع نفاذ الرياح المحملة بالأتربة عن طريق استخدام الضلف الخشبية ويعتبر هذا العنصر مثالاً رائعاً على كيفية استخدام الإنسان للطبيعة ليزيد من ملاءمة المبنى للبيئة المحيطة به فقد أمكن عن طريقه الحصول على تهوية جيدة وتغيير متكرر للهواء اللذان هما من الأشياء الضرورية المرغوبة في المناطق الحارة الرطبة"[4].
وهذا التناسق الجمالي بين الداخل والخارج موجود في كثير من دول الخليج [5]. يرى فنتوري أن الغموض والتوتر موجودان في كل مكان في عمارة التعقيد والتناقض فالعمارة مظهر وجوهروواقعية ومجردةوو..هذه العلاقات المتذبذبة المعقدة والمتناقضة هي مصدر الغموض والتوتر المميزين لوسائل التعبير المعماري (فنتوري 1986م) . ثم تحلق بك هذه الفتحات في تناغم ممتع عبر الريثم الذي تسلكه .ومع ذلك لايستمر الريثم أو الإيقاع حتى لايشعرك بالملل فسرعان ما تفاجأ بالمجاورات الكبيرة Super Adjacency كما يسميها فنتوري - كالرواقات والغرف العلوية في الجهة الجنوبية (كحجرة استقبال الضيوف وحجرة سكن أبناء الشيخ المتزوجين وحجرة سكن الشيخ ) . - تحطم هذا الإيقاع وتوقظك إلى إحساس جديد إلى لوحة جميلة.يرى فنتوري أنه يمكن إغناء المعنى عن طريق تحطيم النظام (فنتوري 1986م) .وحتى لاينقطع نفسك أويطول لهاثك وأنت تتابع إيقاع البادجير الخارجي على الأسطح الجنوبية تستريح مع تدخل فتحات جديدة من غرفة الشيخ في الدور العلوي..يرى فنتوري أن الجمع القسري بين اتجاهات متنافرة يخلق تعقيدات وتناقضات ايقاعية الشكل (فنتوري 1986م).
لعلنا في حاجة ماسة لأطروحات المعماري الفذ فنتوري لإعادة صياغة عمارتنا النشاز. العمارة المحلية التي تعاني من إنفصام الشخصية . فلم تستطع التكيف وعمارة الغرب الوافدة ولاحافظت على قيم أصالتها المعمارية. نحتاج ذلك بإسقاط مدروس للنظرية من خلال معطيات التراث .ولايعني ذلك إبقاء قيد الشكل بقدر مايعني الإنطلاق إلى ماهو أوسع إلى القواعدو المبادئ التقليدية [6].الحاجة ماسة لإعادة التشكيل بين المفتوح والمغلق والمستوي والمجوف والخشن والأملس والداخل والخارج مع بعض الإقحامات حتى تنتج لنا عمارة ذات طابع بصر ي مريح جميل ، فلعلنا نتغلب على هذه البساطة المبتذلة في مساكننا ومبانينا المختلفة وغيرها.
المعاني الإجتماعية
إذا كانت نظرية فنتوري في العمارة بصرية صرفة تقريباٌ وتحاور المعاني الجمالية من خلال الشكل فقط، فإن العمارة التقليدية الخليجية احتوت مضامين ومعاني أخرى تتعلق بالناحية الوظيفية.وقد نحى بعض علماء الجمال الى استقلالية المعنى البصري واستقلالية الجمال . فيعتبر بعض العلماء ان الجمال مقطوع الصلة عن أية فائدة ولا وظيفة تتبعه. "يعتبر (كانت) :( أن الجمال هو ذلك الذي يكون ممتعا بالضرورة، وهذه المتعة تنبعث من نفوسنا ونحن نُدرك أن هذا الجمال مقطوع الصلة بأية فائدة مهما كانت)، وجاء بعد كانت (شلر Schiller) ليقول : ( أن العمل الفني لون من ألوان النشاط التلقائي الخالي من الغرض)". [7] وهذا في رأيي فيه نظر؟؟؟؟؟؟؟. " يقول الكاتب المعماري الأمريكي (البرت بوش- بروان) في كتابه (فن العمارة الأمريكية) :أن الفن المحلي هو عبارة عن مسلمات جمالية ارتضاها المجتمع لنفسه, فأوجد مفردات خاصة به تنبع من متطلباته و تعبر عن احتياجاته ضمن قدراته المالية . والجمال في العمارة الإسلامية هو عبارة عن تحقيق وظائف و متطلبات اجتماعية ضمن الإطار التشريعي( الديني ), أو يمكن القول بأن الجمال في العمارة الإسلامية ذو هدف . لقد ذكر المعماري ( سوليفان ) معماري أمريكي ) مقولة مشهور "الشكل يتبع الوظيفة" كقاعدة للعمارة الحديثة, وأن كنت أعتقد أن العمارة الإسلامية قد سبقت ( سوليفان ) في هذا التعريف منذ زمن " [8] .
اللوحة التشكيلية للسطح لم تقتصر على النواحي البصرية وإنما تجاوزت ذلك لتوظف الرسالة الإجتماعية وتعكس القيم الإجتماعية السائدة .لتضرب النظرية العمرانية الخليجية أروع الأمثلة وتعطي أفضل النماذج المعمارية التي تخدم غايات المجتمع وتعكس رغباتهم واحتياجاتهم. فعمارة الخليج التقليدية تعكس كثيراً قيم المجتمع الإجتماعية .تلك العمارة تقرأفيها قصة أولئك الناس المحافظين على مبادئهم وتعاليم دينهم.عمارة أملى المجتمع عليها إحتياجاته وأملت عليه إمكاناتها.البيئة التقليدية منغلقة عن الخارج مفتوحة على الداخل باتساع كبير Introverted .فجاءت المعالجات المعمارية للدور عاكسة لهذه المعاني الإجتماعية . وبذلك يمكنك قراءة قصة إجتماعية جميلة على الدار التقليدية .وبذلك تضيف معنى جميل إلى الناحية البصرية. فالشكل يحتوى مضمون عميق غني .فلم تستقل الصورة البصرية عن المضمون الوظيفي لها . وبيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة حفل بهذه التراكمات الضخمة في المعاني البصرية والإجتماعية.الجدار الضخم في البيت كان مصمتا إلا من بعض الثقوب التي تكشف الخارج للداخل وليس العكس. فغرف الضيوف أو مجالس الرجال فانفتحت لتحاكي الخارج وأما العائلة والخاصة بالشيخ فسترت خلف هذه الغرف وخلف المسطحات الجداريةالمصمتة تقريبا وفتحات البادجير تداخلت تفاصيلها الإنشائية بإحكام دقيق ليرى من بالخارج وليس العكس.ويتصل أهل الدار بالخارج بسهولة ويسر ويعايشوا طقسه الممتع دون أدنى إحساس بخدش الخصوصية.ً.فالمعنى الجمالي لم تستقل به الرغبة البصرية وإنما تعدت لتستوعب المتطلبات الإجتماعية. يقول صالح الهذلول احد منظرى المدخل الشرعي لمفهوم المدينه الاسلاميه في المملكة العربية السعودية " ليس بغريب ان يدخل مبدأ تحقيق الخصوصيه والحفاظ على حرمة الحياه الاسريه فى صلب اختصاصات الفقهاء، فكشف مالايمكن للسابل في الطريق رؤيته يعد تطفلا وانتهاكا لحرمة خصوصية الحياه الاسريه ممالا يحتمله السكان ولايقره الفقهاء ويعتبر الاطلاع والكشف أذى وضررا يجب تحاشيه او ازالته ومنعه إذا وقع ..(ويستطرد صالح الهذلول :) "وقد تمثل الاهتمام بتحقيق الخصوصيه الذاتيه وحماية السكان فى منازلهم من الكشف والاطلاع فى التكوين العمراني للمدينة العربيه الاسلامية بعدة طرق منها تحديد ارتفاعات البناء فى المدينه وتفادى الفتحات والنوافذ فى الجدران المطله على الشوارع او معالجتها بأساليب معماريه خاصه وفى التصميم مداخل المنازل من ال****. "[9].إلا أننا في مقابل هذه المفاهيم يقف بنا الزمن على عمارة معاصرة نتاجها سمته السطحية والخواء النظري والتقليد الفكري.ومن ذلك إنكشاف الداخل للخارج ،لتتلاشى معه مبادئ ضربت جذورها بعيداً في الأرض ونحتت لها سمات في المكان . ولهذا جاءت المسطحات الخارجية تفتقر للمضمون التاريخي للبلد والمجتمع. نحن بهذا السلوك نهدم جداراً ثقافياً ظل قائما قروناً مديدة يخاطب الزائرين ويروي لهم تاريخ المجتمع. إن القيم الإجتماعية من أهم الأمور التي تستدعي العناية بها في العمارة المعاصرة لأنها لاتضيف رسالة جمالية ولاتكون طابع بصري فقط وإنما هي طريق إلى رضى المجتمع أو المستخدم للبيئة. فلاحظ أن كثير من المباني المنتجة بالجملة Mass Production تتعرض لكثير من التحولات والتغيير من قبل الساكنين. لأن المستخدمين لهم رغبات واحتياجات مختلفة والمنتج بالجملة نظام واحد لهؤلاء جميعاً .وهنا يحدث التغيير لإعادة الصياغة لتلائم هذا الكم الهائل من المتطلبات الجديدة [10] . هابراكن مؤلف كتاب
Transformation of the Site يرى أنه من الصعب الفصل بين السلوك والشكل فهما متداخلان ومحال أن ينفصلا [11] .وتلميذ هابراكن ، مؤلف كتاب Crisis in the Built Environment يفصل ذلك فيرى أنه إذا تمتع الساكن بحرية التصرف فستكون هذه الحرية حافزاً له لتغيير بيئته ولهذا سيكتشف الفريق إمكانيات كامنة في البيئة ويطوع بالتالي تلك البيئة لتلبي رغباته. [12] وهل هناك أقوى من القيم الإجتماعية التي توجه تصرفاتنا في هذه الحياة في نظام الجماعة ؟.
المعاني البيئية
تراث الخليج العمراني يعكس قدرة الأباء والأجداد على التعامل مع العوامل البيئية القاسية من خلال أساليب تخطيطية وتفاصيل معمارية طوعت لخدمة المنطقة وأعطت لعمارتها المميزات فى التكوين والتفاصيل وجعلتها متميزة فى مناطق العالم العربي . فعولجت الحجوم التى تأوي تلك الوظائف مؤكدة على كفاءة النظم المعمارية فى التشكيل المعماري وتهيئة الأجواء المناخية المناسبة.تلك النظم المعماريه وتلك المجتمعات التقليدية ماذا يعني استمرارها طيلة قرون عديدة " ان بقاء واستمرارية المجتعات التقليدية عبر مئات وآلاف السنين لهو دليل على امتلاكها قدرا من المعرفة ممكن ان يكون مفيدا بذاته او بأتخاذه اساسا لتطورات جديده"[13] . فهذه النظم تتميز بميزة عجيبه عالجت مشكلة معمارية معاصرة معقده كثيرا وهي المواءمه بين البناء بعطاءه وتطلعاته التكنولوجيه والعصريه وبين توفير مناخ داخلي على مستوى عالي من الراحه من خلال عناصره، مع إضفاء جمال أخاذ وذوق رفيع " لقد أدت الخبرات التى تراكمت عبر آلاف السنين إلى تطويرلأنماط بناء قليلة التكاليف توظف فيها المواد المتوفره محليا والقدره على تهيئة المناخ الملائم باستخدام الطاقة التى توفرها البنية الطبيعية المحليه، وتنظيم لفراغات المعيشة والعمل بحيث تتوافقان والمتطلبات الاجتماعية . وكانت هذه العماره على درجة عاليه من التعبير الفني بل لم يحدث أن قلت العناية بالمظهر الجمالي عنها بالجانب الوظيفى . وقد اعتمد الساكن فى هذه المجتمعات قبل حلول العصر الصناعي و الميكنه على المصادر الطبيعية للطاقه والمواد المحليه المتوفره فى موطنه تبعا لحاجاته الفسيولوجيه. وتعلم الناس فى كل مكان وبمرور عدة قرون، كيفية التعامل مع المناخ الذي يوفرلهم المناخ المحلي الذى يرغبون فيه" (فتحي 1988م)
هذا الإرث الكبير يمكن أن ننطلق منه إلى إنجاز فريد. فكما يرى المعماري راسم بدران، يمكن أن ننطلق منه إلى منشأ يعبر عن قدرة تكيف مع العوامل المناخية من خلال عناصر تكوينية التى قيمت الماضي وإحترمت إبداعه وسخرت لخدمة التكنولوجيا الحديثة بكفاءة عالية متفادية الإبتذال والتقليد الأعمي للأشكال التى جمعت وكأنها قطع أثرية تحفظ فى المتحف وللإنسان رؤيتها فقط وليس التعايش مع أدائها ، ننظر إلى هذا التراث كباعث لتطوير مفاهيم وقيم إجتماعية وتخطيطية تساهم فى إثراء حضارة المنطقة وإبراز خصوصيتها وربما مساهمتها فى إثراء الفكر الإنساني العالمي"[14] . لو زار فنتوري دول الخليج في عنفوان عمارتها التقليدية لأصابته الدهشة والذهول ، مثل غيره . فقد أدهشت جدة القديمة زوارها الأجانب من خلال انتشار المشربية حتى عرفت جدة بجمالها بالمشربيات . فأدهشت واجهات مساكن جدة القديمة أحدهم فقال "هذه المدينة ليست محاطة بالأسوار وإنما تحيط بها منازل جميلة جداً كما هو الحال في إيطاليا"[15] . العمارة الخليجية استوعبت المكان والزمان .العمارة الخليجية احتوت على كثير من المعاني التي تهز أوتار القلب من حسنها .فلم تقف الرسالة الجمالية على البعد البصري والحاجة الإجتماعية بل واستوعبت النواحي البيئية . ولهذا ستقراء في المساحات الجدارية تقرير متكامل للمناخ .
وبيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة تفاعل بشكل عجيب مع النواحي البيئية وكأن دراسة تحليلية خضع لها البيت لسنوات طويلة قبل إخراج هذا المنتج . هذا البيت تفاعل وعناصر الطاقة الطبيعية بشكل دقيق وراقي للغاية.وخاصة التهوية الطبيعية والتبريد الطبيعي الذي تلاشى من البيئة المعاصرة . لقد اعتنت الدار بالفناء الداخلي والفتحات، بادجير الوارش الخارجي والنوافذ وملاقف الهواء على الغرف الخاصة .
التهوية الطبيعية مهمة للغاية وخاصة للتبريد الطبيعي Passive Cooling . فقد أدرك بيت الشيخ رحمه الله أهمية وظائف التهوية الطبيعية بالنسبة للإنسان فاعتنى بتوظيفها . و أهمها تبريد جسم الإنسان .لأنه بإزدياد سرعة الهواء يرتفع معدل إنتقال الحرارة من الجسم إلى البيئة المحيطة،كذلك تزيد سعة البخر للهواء أي كمية بخار الماء أو الرطوبة التي يستوعبها الهواء، ومن ثم يزيد التأثير التبريدي الذي يحدثه بخر العرق على الجلد.ومن الوظائف التخلص من الرطوبة.ومنها أيضاً تبريد المنشأ،إذ يختلط الهواء الخارجي الداخل بالهواء الداخلي فتنتقل الحرارة بينهما طبقاً للفرق بين درجتي حراراتيهما [16] . لقد كان عامل المناخ عامل هام في تشكيل طابع الأحياء التقليدية، سواء المناطق الحارة الجافة أو التي يشوبها زيادة في الرطبة.ولهذا نرى أن كلا النموذجين يتميز طابعهما من النظرة الأولى بالبحث عن الهواء البارد وإن إختلفت المعالجات المعمارية .بل وأختلفت معالجات المناطق التي تتمز بالرطوبة فيما بينها . فنتيجة لتأثير الحرارة الشديد جداً في الصيف في المناطق الحارة الجافة وكان التقارب والتراص أمر مهم وأساسي في هذه المناطق . ولهذا فإن الحل التقليدي هو الوحدة المتضامةCompact المتوجهة نحو الداخل وبفناء داخلي ،[17] . إن أهمية الفناء تكمن في تعدد أغراضه ويأتي في مقدمتها توفير التهوية الطبيعية للمسكن. ففي هذه المناطق يؤدي الفناء وظيفة بير الإنارة وبير تهوية في آن واحد ، حيث تعمل تيارات الحمل الحراري على تهوية المنزل وتبريده . لكن حاجة بيت الشيخ للتهوية المباشرة و للتبريد المباشر بالتبخير غير التشكيل للكتل والواجهات . فكان الحل فتح غرف الضيوف فتحاً كبيرأً نحو الخارج لتلقف الهواء البارد بكميات كبيرة. فمن المتعارف في المدن العربية أنها تكاد تكون خالية من الواجهات الخارجية.ولكن في المدن الساحلية يمكن بسهولة وبدون عناء تمييز قسم الضيوف من القسم العائلي من خلال الواجهات.فالقسم العائلي لايحمل نوافذ نحو الخارج وأما الأقل خصوصية فإنه عادة يفتح نحو الخارج في جميع الأدوار.بل وحاجة بيت الشيخ للتهوية المباشرة و للتبريد المباشر بالتبخير جاءت تفاصيل البادجير الإنشائية حالة فريدة لسحب التيارات الهوائية الباردة إلى داخل البيت حيث "يعمل بضغط الهواء لتوليد تيارات حمل مبردة ولهذا يستخدم بكثرة في أسوار الحوائط الخارجية لما يحققه منخصوصية" (شفق وسراج، (1989م).
إذا هناك في بيت الشيخ عيسى بن علي ، معنى أكبر من المعنى البصري، حمله البادجير وهو المعنى البيئي إضافة إلى المعنى الإجتماعي . ولهذا حينما تتأمل السطح الخارجي والرسالة الجدارية تنتقل عبر قصص وحوارات بصرية وبيئية واجتماعية رائعة .
ولهذا نقف في نهاية المطاف مع هذا البيت الأثري لنوجه رسالة إلى معماريي اليوم لمحاولة الإقتباس المباشر من مثل هذه الإنجازات العتيقة المتميزة، الذي عساه أن يعطي لنا تراكمات جمالية ، أو شبيه لها ، إن تعذر إشتقاق المبادي والقواعد .وخاصة في خضم هذا التكدس العمراني الغريب على بيئتنا ومجتمعنا. الجمال المعماري موجود يحيط بنا في عمارتنا الأثرية في دول الخليج ويحمل كمية هائلة من الدروس المنثورة كالزهور القرنفلية في كل تكوين من هذه العمارة .فجدير بنا أن نجري محاورة مع هذه التركة العريقة فنحن في حاجة ماسة لإعادة اللمسة الجمالية إلى مدننا النابعة من أعماقنا وإنسانيتنا وثقافتنا .
نشرت هذه المقالة في مجلة الخفجي تحت عنوان (الثراء الجمالي في البيوت التقليدية – بيت الشيخ عيسى بن علي في البحرين كمثال) ، في العدد الصادر في ربيع ثاني / 1423
المراجع
1- "بيت الشيخ عيسى بن علي"إدارة المتاحف والتراث بوزارة الإعلام بالبحرين (غالب الصور والأشكال منه) .
2- راجع : الناجم على والذرمان "بعض أطروحات فنتوري "مجلة المهندس العدد
والناجم علي "الفناتير محاولة للإبداع المعماري "نشرة العمران العدد20،محرم 1420هـ
وفنتوري روبرت"التعقيد والتناقض في العمارة "ترجمة سعاد مهدي ،بغداد،1986م
3- الناجم علي "الإستبعاد والإنعزالية في عمارة المساجد "مجلة المهندس ،تحت النشر .
4- البراق خالد وآخرون"أثر البيئة على الطابع المعماري للمسكن في المملكة العربية السعودية،المنطقة الشرقية"المؤتمر السعودي الخامس، مكة المكرمة ،1999م.
5- مثلاً دار الشيخ عثمان يوسف الناحم التي تعرض لها المؤلف كثيراً كما في : الناجم،على"البيئة العمرانية المحلية المعاصرة وقصور تهويتها الطبيعية " . هذه الدار جذبت وشدت إنتباه الباحثين المعاصرين وأثروها تصويراً وبحثا كما في مجلة التراث الشعبي العدد33، 1994م . هذ الدار هدمت منذ عهد قريب.
6- لقد أسفت كثيراً حين علقت مهندسة فاضلة من بلد خليجي عزيز ، منذ أيام على محاضرة دعيت لإلقائها في قطر فقالت: انظر الى البلد القلاني والقلاني تعانق أبراجها الزجاجية عنان السماء . هلى تريدنا أن نرجع ونستخدم عمارة الطين؟؟؟؟؟
7- علي الثويني " الجمال المعماري\الجمال في العمارة الاسلامية" موقع التشكيلي.
8- الشمراني سامي "لسفة الجمال في العمارة الاسلامية" موقع التشكيلي.
9- الهذلول صالح" "المدينة العربية الإسلامية"1994م.
10- راجع في هذا الموضوع أبحاث المؤلف مثل :
الناجم علي "النمط البنائي وعلاقته بالتغيير في البيئة العمرانية"المؤتمر السعودي الهندسي الرابع ،جدة ، 1995م
والناجم ،علي "االطابع المعماري في الحي المعاصر بين التحول والثبات"مؤتمر انتربيلد97،القاهرة ،1997م.
Al Najim Ali”Disadvantages of the Restrictive Housing Policies”Symposium on Innovation & Distincttion in Urban & Infrastructure Development of the Kingdom in 100Years” RiydhK19999
N.Habraken”Transformation of the Site”A Water Press,1982
11- Akbar ,J”Criss in the Built Invironment
13- فتحي حسن "الطاقات الطبيعية والعمارة التقليدية"،بيروت 1988م.
14- بدران راسم،مجلة البناء.
15- محمود خان"منازل جدة القديمة"مجلة الإسكان والتعمير.
16- شفق وسراج"المناخ وعمارة المناطق الحارة".
17- الناجم علي"العمارة التقليدية في ألأحساء حل لإشكالية إستهلاك الطاقة الكهربائية" مجلة القافلة ،صفر 1418.
انشاء الله يكون مفيد
الرجاء ذكر المصدر عند النقل وشكرا
(عضو الجمعية السعودية لعلوم العمران والهيئة السعودية للمهندسين )
ص ب 5190 الدمام 31422
البريد الألكتروني:
aliuth5@yahoo.com
بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة كمثال
الرؤى الجمالية في الدار التقليدية-توطئة
أحيانا تفقد الأمل وأنت تبحث في المدينة الخليجية الحديثة من هنا وهناك عن ملامح جمالية مدروسة .فتعود بخفي حنين دون أن تحقق غايتك. إن القيم الجمالية تكاد تتلاشى من المدينة وتذوب في صرعة العصر وموجته التغريبية نحو الحداثة وطلب التقنية ومحاولة اللحاق بالمدنية والتحضر . هذه الهجرة الفجائية السريعة في المدينة الخليجية الحديثة نسيت خلفها تراث ماض عريق حافل بالكنوز التراثية.والتراث المعماري يتصدر قائمة هذه التحف الثمينة بكل المقاييس . ولاشك أن القيم الجمالية التي خلفها ذاك التراث على أطلاله لاتقدر بثمن وتعد من فرائد هذه المنطقة .هذه المقالة تبحر في تحفة تراثية عمرانية تقليدية في دولة البحرين لتلتقط بعض درر الجمال المعماري النادر المثال في أحياء هذا البلد العريق. هذه التحفة المعمارية هي بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفةرحمه الله تعالى الذي شيد في قلب العاصمة القديمة -المحرق- في حوالي عام 1800[1] فإن انسلخت كثيراً من المعاني عن اللوحة المعمارية المتشكلة على كل سطح من جداريات العمارة المحلية المعاصرة ، فإنك تقرأ على جدران عمارة الماضي قصصاً مختلفة ومتنوعة وتستمع بمعاني جمالية رفيعة، بيئية واجتماعية وبصرية تطرحها أجزاء هذه المقالة المختصرة .
المعاني البصرية
ينحو كثير من الواصفين المعماريين في تذوقهم للعمل المعماري بالإعتماد على الشكل والتأثير البصري . فنتوري أحد رواد العمارة في هذا القرن برز في هذا الإتجاه وأبدع كثيراٌ حتى أصبح كتابه التعقيد والتناقض في العمارة Commplexhty and Contradiction in Architecture “ أحد الكتب النادرة في هذا القرن التي تناقش الجمال المعماري في العمارة المعاصرة الذي نحن في أشد الحاجة لمثله خاصة فيما يتعلق بتطبيقه على البساطة المبتذلة التي انتهجتها عمارتنا المحلية والإقليمية.ويتميز هذا الكتاب بأنه يركز على دروس بليغة في استلهام التراث المعماري وبالأخص الأشكال التراثية أو مايسميها فنتوري بالعناصر التاريخية والتقاليد ويدعو إلى توظيفها بشكل فعال في العمارة المعاصرة.وهو كتاب قيم يعتمد على تحليل الظواهر الجمالية.ولعله أهم كتاب كتب في صنع العمارة منذ كتاب لكوربوزييه نحو عمارة ما "Vers Une Architecture". ففنتوري يبرز في تحليله العجيب بحيث يجعلنا فعلاً نرى الماضي بمنظار جديد.ولهذا جمع الأسلوب البصري مع المقصد الثقافي الرفيع. ويؤكد أن العمارة الجيدة تستحضر عدة مستويات. ولهذ فنتوري يرى أن العمارة الحديثة انساقت الى البساطة المبتذلة والشكل المستطيل والعزل والإستبعاد [2]. وهذه من المشاكل المعاصرة التي وفدت إلينا مع مذهب العمارة الحديثة واتجاهاتها."فقد شجعت العمارة الحديثة العزل والتخصص على كافة المقاييس والأصعدة في المواد والتركيب الإنشائي شأنهما في ذلك شأن برنامج المتطلبات والفضاء... بالإضافة إلى تخصيص شكل معين إلى مواد وتراكيب إنشائية معينة فإن المعماري الحديث يقوم بعزل العناصر وتحديدها من خلال العناية الفائقة بالتفاصيل ..." (فنتوري 1986م) ويشير فنتوري عن تجربته والعمارة الحديثة "في العمارة الحديثة كثيراً ما اضطررنا للعمل تحت القيود التي تفرضها الأشكال المستطيلة المتعنتة والتي يفترض فيها أن تكون نابعة من المتطلبات التقنية للهيكل الإنشائي والجدار الستائري المنتج بالجملة" (فنتوري 1987م) ومن ألأمثلة على معماريي العماره الحديثة رايت Frank Loyd Wright فكان يموه إستثناءاته ويحاول أن يؤكد أفقياته كثيراً. أما ميس Mies Van der Rohe فقد كان لايسمح لأي شئ أن يعوق تجانس أجنحته الكاملة دوماً والمؤلفة من النقطة والخط والسطح . حتى فنتوري نفسه وبالرغم من إنتقاده العمارة الحديثة إلا أنه كان يقتصر على الجانب البصري كعادة العمارة مابعد الحديثة فكانوا لايرون غضاضة في إستيعاب العمل المعماري لعناصر وأشكال تاريخية يرى المصمم أهمية إيجادها لإحداث أثر نفسي لدى المتلقي بلاأية ضرورة [ 3 ] .
العمارة المحلية المعاصرة اتسمت بالواجهات المملة في أصنافها السكنية والشقق والمكتية والتجارية وغيرها.لقد دب الشكل الموحد الخارجي-وأحياناً المنتج بالجملة Mass Productio إلى المساكن حتى وكأن العلم المعماري قد انحسر ، بل وكأن الساكن أو المستخدم ربوت مكرر. و إذا تناسيت الوحدات السكنية -افتراضاً - فاجأتك المباني المكتبية في إبتذالها وبساطتها المتناهية في إختفاء هيكلها وهيمنة قشرتها الزجاجية وقد خلت من أي معنى .لكنك إذا تحولت إلى الدار التقليدية هالتك التراكمات الجمالية وخاصة المعاني البصرية ، حتى تأسر عينك فتقف أمام عضمتها مشدوهاٌ منبهراً أمام ماتراه من إبداع .بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة رحمه الله تحفة تراثية يسجل حفظها بفخر لحكام هذا البلد المعطاء ذو التحف المعمارية التقليدية المتميزة الذين حملوا على عاتقهم خدمة تاريخ هذه الأرض.جاء في إفتتاحية كتاب( بيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة) لوزارة اعلام حكومة البحرين"منذ بدأت وزارة الإعلام خطتها في ترميم الأماكن التاريخية في البحرين كانت تضع نصب أعينها الهدف المنشود بأنه بإكتمال عملية الترميم ستكتمل الصورة الجلية لتاريخ هذا البلد العريق المتشح بماض حضاري خالد".
فإذا بدأنا الرحلة الجمالية في البيت فإننا إذا غضينا الطرف عن كل الجهات وتأملنا الجهة الميتة -الجنوبية - إذا صح اللفظ على انها الأقل ثراءا في الجماليات ،لوجدناها إبداعالإ نادرا الوجود في العمارة الحديثة.المحلية.بالرغم من أن السطح يكاد يكون مستوياً إلا ان البادجير المنتشر على وارش السطح كسر الإستواء بتجاويفه لتتساءل :هل السطح مستوي أو مجوف. فتعيش مع هذا السطح الجنوبي حالة من الغموض المحبب.وإذا كان الإنفتاح على الداخل يكون بإنفراج واسع جدا كما في الليوانات العلوية حتى تحار إن كان الفضاء مفتوح أم مغلق ،فإن الإنفتاح في البادجير محدود يتناسب مع الكتلة الجدارية المصمتة. وقد " تم استخدام البادجير (مأخوذ من أبراج الهواء الإيرانية-الكلمة الفارسية له بادكير) نظراً لرطوبة المناخ بهذه المنطقة بغرض تحريك الهواء فهو يسمح بدخول الهواء دون أشعة الشمس ويمنع نفاذ الرياح المحملة بالأتربة عن طريق استخدام الضلف الخشبية ويعتبر هذا العنصر مثالاً رائعاً على كيفية استخدام الإنسان للطبيعة ليزيد من ملاءمة المبنى للبيئة المحيطة به فقد أمكن عن طريقه الحصول على تهوية جيدة وتغيير متكرر للهواء اللذان هما من الأشياء الضرورية المرغوبة في المناطق الحارة الرطبة"[4].
وهذا التناسق الجمالي بين الداخل والخارج موجود في كثير من دول الخليج [5]. يرى فنتوري أن الغموض والتوتر موجودان في كل مكان في عمارة التعقيد والتناقض فالعمارة مظهر وجوهروواقعية ومجردةوو..هذه العلاقات المتذبذبة المعقدة والمتناقضة هي مصدر الغموض والتوتر المميزين لوسائل التعبير المعماري (فنتوري 1986م) . ثم تحلق بك هذه الفتحات في تناغم ممتع عبر الريثم الذي تسلكه .ومع ذلك لايستمر الريثم أو الإيقاع حتى لايشعرك بالملل فسرعان ما تفاجأ بالمجاورات الكبيرة Super Adjacency كما يسميها فنتوري - كالرواقات والغرف العلوية في الجهة الجنوبية (كحجرة استقبال الضيوف وحجرة سكن أبناء الشيخ المتزوجين وحجرة سكن الشيخ ) . - تحطم هذا الإيقاع وتوقظك إلى إحساس جديد إلى لوحة جميلة.يرى فنتوري أنه يمكن إغناء المعنى عن طريق تحطيم النظام (فنتوري 1986م) .وحتى لاينقطع نفسك أويطول لهاثك وأنت تتابع إيقاع البادجير الخارجي على الأسطح الجنوبية تستريح مع تدخل فتحات جديدة من غرفة الشيخ في الدور العلوي..يرى فنتوري أن الجمع القسري بين اتجاهات متنافرة يخلق تعقيدات وتناقضات ايقاعية الشكل (فنتوري 1986م).
لعلنا في حاجة ماسة لأطروحات المعماري الفذ فنتوري لإعادة صياغة عمارتنا النشاز. العمارة المحلية التي تعاني من إنفصام الشخصية . فلم تستطع التكيف وعمارة الغرب الوافدة ولاحافظت على قيم أصالتها المعمارية. نحتاج ذلك بإسقاط مدروس للنظرية من خلال معطيات التراث .ولايعني ذلك إبقاء قيد الشكل بقدر مايعني الإنطلاق إلى ماهو أوسع إلى القواعدو المبادئ التقليدية [6].الحاجة ماسة لإعادة التشكيل بين المفتوح والمغلق والمستوي والمجوف والخشن والأملس والداخل والخارج مع بعض الإقحامات حتى تنتج لنا عمارة ذات طابع بصر ي مريح جميل ، فلعلنا نتغلب على هذه البساطة المبتذلة في مساكننا ومبانينا المختلفة وغيرها.
المعاني الإجتماعية
إذا كانت نظرية فنتوري في العمارة بصرية صرفة تقريباٌ وتحاور المعاني الجمالية من خلال الشكل فقط، فإن العمارة التقليدية الخليجية احتوت مضامين ومعاني أخرى تتعلق بالناحية الوظيفية.وقد نحى بعض علماء الجمال الى استقلالية المعنى البصري واستقلالية الجمال . فيعتبر بعض العلماء ان الجمال مقطوع الصلة عن أية فائدة ولا وظيفة تتبعه. "يعتبر (كانت) :( أن الجمال هو ذلك الذي يكون ممتعا بالضرورة، وهذه المتعة تنبعث من نفوسنا ونحن نُدرك أن هذا الجمال مقطوع الصلة بأية فائدة مهما كانت)، وجاء بعد كانت (شلر Schiller) ليقول : ( أن العمل الفني لون من ألوان النشاط التلقائي الخالي من الغرض)". [7] وهذا في رأيي فيه نظر؟؟؟؟؟؟؟. " يقول الكاتب المعماري الأمريكي (البرت بوش- بروان) في كتابه (فن العمارة الأمريكية) :أن الفن المحلي هو عبارة عن مسلمات جمالية ارتضاها المجتمع لنفسه, فأوجد مفردات خاصة به تنبع من متطلباته و تعبر عن احتياجاته ضمن قدراته المالية . والجمال في العمارة الإسلامية هو عبارة عن تحقيق وظائف و متطلبات اجتماعية ضمن الإطار التشريعي( الديني ), أو يمكن القول بأن الجمال في العمارة الإسلامية ذو هدف . لقد ذكر المعماري ( سوليفان ) معماري أمريكي ) مقولة مشهور "الشكل يتبع الوظيفة" كقاعدة للعمارة الحديثة, وأن كنت أعتقد أن العمارة الإسلامية قد سبقت ( سوليفان ) في هذا التعريف منذ زمن " [8] .
اللوحة التشكيلية للسطح لم تقتصر على النواحي البصرية وإنما تجاوزت ذلك لتوظف الرسالة الإجتماعية وتعكس القيم الإجتماعية السائدة .لتضرب النظرية العمرانية الخليجية أروع الأمثلة وتعطي أفضل النماذج المعمارية التي تخدم غايات المجتمع وتعكس رغباتهم واحتياجاتهم. فعمارة الخليج التقليدية تعكس كثيراً قيم المجتمع الإجتماعية .تلك العمارة تقرأفيها قصة أولئك الناس المحافظين على مبادئهم وتعاليم دينهم.عمارة أملى المجتمع عليها إحتياجاته وأملت عليه إمكاناتها.البيئة التقليدية منغلقة عن الخارج مفتوحة على الداخل باتساع كبير Introverted .فجاءت المعالجات المعمارية للدور عاكسة لهذه المعاني الإجتماعية . وبذلك يمكنك قراءة قصة إجتماعية جميلة على الدار التقليدية .وبذلك تضيف معنى جميل إلى الناحية البصرية. فالشكل يحتوى مضمون عميق غني .فلم تستقل الصورة البصرية عن المضمون الوظيفي لها . وبيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة حفل بهذه التراكمات الضخمة في المعاني البصرية والإجتماعية.الجدار الضخم في البيت كان مصمتا إلا من بعض الثقوب التي تكشف الخارج للداخل وليس العكس. فغرف الضيوف أو مجالس الرجال فانفتحت لتحاكي الخارج وأما العائلة والخاصة بالشيخ فسترت خلف هذه الغرف وخلف المسطحات الجداريةالمصمتة تقريبا وفتحات البادجير تداخلت تفاصيلها الإنشائية بإحكام دقيق ليرى من بالخارج وليس العكس.ويتصل أهل الدار بالخارج بسهولة ويسر ويعايشوا طقسه الممتع دون أدنى إحساس بخدش الخصوصية.ً.فالمعنى الجمالي لم تستقل به الرغبة البصرية وإنما تعدت لتستوعب المتطلبات الإجتماعية. يقول صالح الهذلول احد منظرى المدخل الشرعي لمفهوم المدينه الاسلاميه في المملكة العربية السعودية " ليس بغريب ان يدخل مبدأ تحقيق الخصوصيه والحفاظ على حرمة الحياه الاسريه فى صلب اختصاصات الفقهاء، فكشف مالايمكن للسابل في الطريق رؤيته يعد تطفلا وانتهاكا لحرمة خصوصية الحياه الاسريه ممالا يحتمله السكان ولايقره الفقهاء ويعتبر الاطلاع والكشف أذى وضررا يجب تحاشيه او ازالته ومنعه إذا وقع ..(ويستطرد صالح الهذلول :) "وقد تمثل الاهتمام بتحقيق الخصوصيه الذاتيه وحماية السكان فى منازلهم من الكشف والاطلاع فى التكوين العمراني للمدينة العربيه الاسلامية بعدة طرق منها تحديد ارتفاعات البناء فى المدينه وتفادى الفتحات والنوافذ فى الجدران المطله على الشوارع او معالجتها بأساليب معماريه خاصه وفى التصميم مداخل المنازل من ال****. "[9].إلا أننا في مقابل هذه المفاهيم يقف بنا الزمن على عمارة معاصرة نتاجها سمته السطحية والخواء النظري والتقليد الفكري.ومن ذلك إنكشاف الداخل للخارج ،لتتلاشى معه مبادئ ضربت جذورها بعيداً في الأرض ونحتت لها سمات في المكان . ولهذا جاءت المسطحات الخارجية تفتقر للمضمون التاريخي للبلد والمجتمع. نحن بهذا السلوك نهدم جداراً ثقافياً ظل قائما قروناً مديدة يخاطب الزائرين ويروي لهم تاريخ المجتمع. إن القيم الإجتماعية من أهم الأمور التي تستدعي العناية بها في العمارة المعاصرة لأنها لاتضيف رسالة جمالية ولاتكون طابع بصري فقط وإنما هي طريق إلى رضى المجتمع أو المستخدم للبيئة. فلاحظ أن كثير من المباني المنتجة بالجملة Mass Production تتعرض لكثير من التحولات والتغيير من قبل الساكنين. لأن المستخدمين لهم رغبات واحتياجات مختلفة والمنتج بالجملة نظام واحد لهؤلاء جميعاً .وهنا يحدث التغيير لإعادة الصياغة لتلائم هذا الكم الهائل من المتطلبات الجديدة [10] . هابراكن مؤلف كتاب
Transformation of the Site يرى أنه من الصعب الفصل بين السلوك والشكل فهما متداخلان ومحال أن ينفصلا [11] .وتلميذ هابراكن ، مؤلف كتاب Crisis in the Built Environment يفصل ذلك فيرى أنه إذا تمتع الساكن بحرية التصرف فستكون هذه الحرية حافزاً له لتغيير بيئته ولهذا سيكتشف الفريق إمكانيات كامنة في البيئة ويطوع بالتالي تلك البيئة لتلبي رغباته. [12] وهل هناك أقوى من القيم الإجتماعية التي توجه تصرفاتنا في هذه الحياة في نظام الجماعة ؟.
المعاني البيئية
تراث الخليج العمراني يعكس قدرة الأباء والأجداد على التعامل مع العوامل البيئية القاسية من خلال أساليب تخطيطية وتفاصيل معمارية طوعت لخدمة المنطقة وأعطت لعمارتها المميزات فى التكوين والتفاصيل وجعلتها متميزة فى مناطق العالم العربي . فعولجت الحجوم التى تأوي تلك الوظائف مؤكدة على كفاءة النظم المعمارية فى التشكيل المعماري وتهيئة الأجواء المناخية المناسبة.تلك النظم المعماريه وتلك المجتمعات التقليدية ماذا يعني استمرارها طيلة قرون عديدة " ان بقاء واستمرارية المجتعات التقليدية عبر مئات وآلاف السنين لهو دليل على امتلاكها قدرا من المعرفة ممكن ان يكون مفيدا بذاته او بأتخاذه اساسا لتطورات جديده"[13] . فهذه النظم تتميز بميزة عجيبه عالجت مشكلة معمارية معاصرة معقده كثيرا وهي المواءمه بين البناء بعطاءه وتطلعاته التكنولوجيه والعصريه وبين توفير مناخ داخلي على مستوى عالي من الراحه من خلال عناصره، مع إضفاء جمال أخاذ وذوق رفيع " لقد أدت الخبرات التى تراكمت عبر آلاف السنين إلى تطويرلأنماط بناء قليلة التكاليف توظف فيها المواد المتوفره محليا والقدره على تهيئة المناخ الملائم باستخدام الطاقة التى توفرها البنية الطبيعية المحليه، وتنظيم لفراغات المعيشة والعمل بحيث تتوافقان والمتطلبات الاجتماعية . وكانت هذه العماره على درجة عاليه من التعبير الفني بل لم يحدث أن قلت العناية بالمظهر الجمالي عنها بالجانب الوظيفى . وقد اعتمد الساكن فى هذه المجتمعات قبل حلول العصر الصناعي و الميكنه على المصادر الطبيعية للطاقه والمواد المحليه المتوفره فى موطنه تبعا لحاجاته الفسيولوجيه. وتعلم الناس فى كل مكان وبمرور عدة قرون، كيفية التعامل مع المناخ الذي يوفرلهم المناخ المحلي الذى يرغبون فيه" (فتحي 1988م)
هذا الإرث الكبير يمكن أن ننطلق منه إلى إنجاز فريد. فكما يرى المعماري راسم بدران، يمكن أن ننطلق منه إلى منشأ يعبر عن قدرة تكيف مع العوامل المناخية من خلال عناصر تكوينية التى قيمت الماضي وإحترمت إبداعه وسخرت لخدمة التكنولوجيا الحديثة بكفاءة عالية متفادية الإبتذال والتقليد الأعمي للأشكال التى جمعت وكأنها قطع أثرية تحفظ فى المتحف وللإنسان رؤيتها فقط وليس التعايش مع أدائها ، ننظر إلى هذا التراث كباعث لتطوير مفاهيم وقيم إجتماعية وتخطيطية تساهم فى إثراء حضارة المنطقة وإبراز خصوصيتها وربما مساهمتها فى إثراء الفكر الإنساني العالمي"[14] . لو زار فنتوري دول الخليج في عنفوان عمارتها التقليدية لأصابته الدهشة والذهول ، مثل غيره . فقد أدهشت جدة القديمة زوارها الأجانب من خلال انتشار المشربية حتى عرفت جدة بجمالها بالمشربيات . فأدهشت واجهات مساكن جدة القديمة أحدهم فقال "هذه المدينة ليست محاطة بالأسوار وإنما تحيط بها منازل جميلة جداً كما هو الحال في إيطاليا"[15] . العمارة الخليجية استوعبت المكان والزمان .العمارة الخليجية احتوت على كثير من المعاني التي تهز أوتار القلب من حسنها .فلم تقف الرسالة الجمالية على البعد البصري والحاجة الإجتماعية بل واستوعبت النواحي البيئية . ولهذا ستقراء في المساحات الجدارية تقرير متكامل للمناخ .
وبيت الشيخ عيسى بن علي الخليفة تفاعل بشكل عجيب مع النواحي البيئية وكأن دراسة تحليلية خضع لها البيت لسنوات طويلة قبل إخراج هذا المنتج . هذا البيت تفاعل وعناصر الطاقة الطبيعية بشكل دقيق وراقي للغاية.وخاصة التهوية الطبيعية والتبريد الطبيعي الذي تلاشى من البيئة المعاصرة . لقد اعتنت الدار بالفناء الداخلي والفتحات، بادجير الوارش الخارجي والنوافذ وملاقف الهواء على الغرف الخاصة .
التهوية الطبيعية مهمة للغاية وخاصة للتبريد الطبيعي Passive Cooling . فقد أدرك بيت الشيخ رحمه الله أهمية وظائف التهوية الطبيعية بالنسبة للإنسان فاعتنى بتوظيفها . و أهمها تبريد جسم الإنسان .لأنه بإزدياد سرعة الهواء يرتفع معدل إنتقال الحرارة من الجسم إلى البيئة المحيطة،كذلك تزيد سعة البخر للهواء أي كمية بخار الماء أو الرطوبة التي يستوعبها الهواء، ومن ثم يزيد التأثير التبريدي الذي يحدثه بخر العرق على الجلد.ومن الوظائف التخلص من الرطوبة.ومنها أيضاً تبريد المنشأ،إذ يختلط الهواء الخارجي الداخل بالهواء الداخلي فتنتقل الحرارة بينهما طبقاً للفرق بين درجتي حراراتيهما [16] . لقد كان عامل المناخ عامل هام في تشكيل طابع الأحياء التقليدية، سواء المناطق الحارة الجافة أو التي يشوبها زيادة في الرطبة.ولهذا نرى أن كلا النموذجين يتميز طابعهما من النظرة الأولى بالبحث عن الهواء البارد وإن إختلفت المعالجات المعمارية .بل وأختلفت معالجات المناطق التي تتمز بالرطوبة فيما بينها . فنتيجة لتأثير الحرارة الشديد جداً في الصيف في المناطق الحارة الجافة وكان التقارب والتراص أمر مهم وأساسي في هذه المناطق . ولهذا فإن الحل التقليدي هو الوحدة المتضامةCompact المتوجهة نحو الداخل وبفناء داخلي ،[17] . إن أهمية الفناء تكمن في تعدد أغراضه ويأتي في مقدمتها توفير التهوية الطبيعية للمسكن. ففي هذه المناطق يؤدي الفناء وظيفة بير الإنارة وبير تهوية في آن واحد ، حيث تعمل تيارات الحمل الحراري على تهوية المنزل وتبريده . لكن حاجة بيت الشيخ للتهوية المباشرة و للتبريد المباشر بالتبخير غير التشكيل للكتل والواجهات . فكان الحل فتح غرف الضيوف فتحاً كبيرأً نحو الخارج لتلقف الهواء البارد بكميات كبيرة. فمن المتعارف في المدن العربية أنها تكاد تكون خالية من الواجهات الخارجية.ولكن في المدن الساحلية يمكن بسهولة وبدون عناء تمييز قسم الضيوف من القسم العائلي من خلال الواجهات.فالقسم العائلي لايحمل نوافذ نحو الخارج وأما الأقل خصوصية فإنه عادة يفتح نحو الخارج في جميع الأدوار.بل وحاجة بيت الشيخ للتهوية المباشرة و للتبريد المباشر بالتبخير جاءت تفاصيل البادجير الإنشائية حالة فريدة لسحب التيارات الهوائية الباردة إلى داخل البيت حيث "يعمل بضغط الهواء لتوليد تيارات حمل مبردة ولهذا يستخدم بكثرة في أسوار الحوائط الخارجية لما يحققه منخصوصية" (شفق وسراج، (1989م).
إذا هناك في بيت الشيخ عيسى بن علي ، معنى أكبر من المعنى البصري، حمله البادجير وهو المعنى البيئي إضافة إلى المعنى الإجتماعي . ولهذا حينما تتأمل السطح الخارجي والرسالة الجدارية تنتقل عبر قصص وحوارات بصرية وبيئية واجتماعية رائعة .
ولهذا نقف في نهاية المطاف مع هذا البيت الأثري لنوجه رسالة إلى معماريي اليوم لمحاولة الإقتباس المباشر من مثل هذه الإنجازات العتيقة المتميزة، الذي عساه أن يعطي لنا تراكمات جمالية ، أو شبيه لها ، إن تعذر إشتقاق المبادي والقواعد .وخاصة في خضم هذا التكدس العمراني الغريب على بيئتنا ومجتمعنا. الجمال المعماري موجود يحيط بنا في عمارتنا الأثرية في دول الخليج ويحمل كمية هائلة من الدروس المنثورة كالزهور القرنفلية في كل تكوين من هذه العمارة .فجدير بنا أن نجري محاورة مع هذه التركة العريقة فنحن في حاجة ماسة لإعادة اللمسة الجمالية إلى مدننا النابعة من أعماقنا وإنسانيتنا وثقافتنا .
نشرت هذه المقالة في مجلة الخفجي تحت عنوان (الثراء الجمالي في البيوت التقليدية – بيت الشيخ عيسى بن علي في البحرين كمثال) ، في العدد الصادر في ربيع ثاني / 1423
المراجع
1- "بيت الشيخ عيسى بن علي"إدارة المتاحف والتراث بوزارة الإعلام بالبحرين (غالب الصور والأشكال منه) .
2- راجع : الناجم على والذرمان "بعض أطروحات فنتوري "مجلة المهندس العدد
والناجم علي "الفناتير محاولة للإبداع المعماري "نشرة العمران العدد20،محرم 1420هـ
وفنتوري روبرت"التعقيد والتناقض في العمارة "ترجمة سعاد مهدي ،بغداد،1986م
3- الناجم علي "الإستبعاد والإنعزالية في عمارة المساجد "مجلة المهندس ،تحت النشر .
4- البراق خالد وآخرون"أثر البيئة على الطابع المعماري للمسكن في المملكة العربية السعودية،المنطقة الشرقية"المؤتمر السعودي الخامس، مكة المكرمة ،1999م.
5- مثلاً دار الشيخ عثمان يوسف الناحم التي تعرض لها المؤلف كثيراً كما في : الناجم،على"البيئة العمرانية المحلية المعاصرة وقصور تهويتها الطبيعية " . هذه الدار جذبت وشدت إنتباه الباحثين المعاصرين وأثروها تصويراً وبحثا كما في مجلة التراث الشعبي العدد33، 1994م . هذ الدار هدمت منذ عهد قريب.
6- لقد أسفت كثيراً حين علقت مهندسة فاضلة من بلد خليجي عزيز ، منذ أيام على محاضرة دعيت لإلقائها في قطر فقالت: انظر الى البلد القلاني والقلاني تعانق أبراجها الزجاجية عنان السماء . هلى تريدنا أن نرجع ونستخدم عمارة الطين؟؟؟؟؟
7- علي الثويني " الجمال المعماري\الجمال في العمارة الاسلامية" موقع التشكيلي.
8- الشمراني سامي "لسفة الجمال في العمارة الاسلامية" موقع التشكيلي.
9- الهذلول صالح" "المدينة العربية الإسلامية"1994م.
10- راجع في هذا الموضوع أبحاث المؤلف مثل :
الناجم علي "النمط البنائي وعلاقته بالتغيير في البيئة العمرانية"المؤتمر السعودي الهندسي الرابع ،جدة ، 1995م
والناجم ،علي "االطابع المعماري في الحي المعاصر بين التحول والثبات"مؤتمر انتربيلد97،القاهرة ،1997م.
Al Najim Ali”Disadvantages of the Restrictive Housing Policies”Symposium on Innovation & Distincttion in Urban & Infrastructure Development of the Kingdom in 100Years” RiydhK19999
N.Habraken”Transformation of the Site”A Water Press,1982
11- Akbar ,J”Criss in the Built Invironment
13- فتحي حسن "الطاقات الطبيعية والعمارة التقليدية"،بيروت 1988م.
14- بدران راسم،مجلة البناء.
15- محمود خان"منازل جدة القديمة"مجلة الإسكان والتعمير.
16- شفق وسراج"المناخ وعمارة المناطق الحارة".
17- الناجم علي"العمارة التقليدية في ألأحساء حل لإشكالية إستهلاك الطاقة الكهربائية" مجلة القافلة ،صفر 1418.
انشاء الله يكون مفيد
الرجاء ذكر المصدر عند النقل وشكرا