مشاهدة النسخة كاملة : قيم المكان الموروثة وأهميتها العمرانية


nuha
27-06-2006, 11:59 AM
م/ علي عثمان الناجم
(عضو الجمعية السعودية لعلوم العمران والهيئة السعودية للمهندسين )
ص ب 5190 الدمام 31422
البريد الألكتروني:
aliuth5@yahoo.com





1- مقدمة
أحيانا تفقد ألأمل وأنت تتجول في المدينة أن تجد تكوين معماري يصلك بالمدينة ويتصل بها. يتصل بلغتها وبيئتها وتاريخها.تكوين معماري يربطك بماضي المكان وأصالته وقيمه المكانية . وكأن المكان لا هوية له ولاجذور تاريخية. لقد غرق معماريو اليوم في النقل من الغريب على البيئة وأحيانا النقل الحرفي لعناصره.فجاء المنتج العمراني يحاكي بيئة مغايرة تماما للواقع البيئي أو الإجتماعي .كمحاكاة لبلد يبحث عن الشمس وآخر ينطبق على مدينة ريفية تعج بالخضرة والمناخ المعتدل . وجاء أحيانا يتصل بالخارج ويكشف مابالداخل للخارج ويكشف حرمة المكان الذي مضى الدهر ، قرن بعد قرن، تتراكم فيه الحلول المعمارية ذات الكفاءة العالية والمعالجة الذكية والنتائج الإبداعية لتحافظ على هذه الحرمة. وبصيغة أخرى بدأت معالم المكان في الإختفاء رويداً رويدا في أنحاء المدينة . وبدت القيم في عالم النسيان.

هذه القيم التي قد وظفها التراث العمراني عبر قرونه المديدة حتى كاد المنتج النهائي أن يكون بمستوى يصعب تكراره ، بل إن هذه القيم التراثية هي الطريق إلى الخبرة لتطوير أنماط بنائية جديدة .المعماري المسلم الشهير حسن فتحي رحمه الله يبحر في أهمية وإمكانات التراث العمراني ودوره الإجتماعي لينثر الدر فيقول" ويؤدي الإحتكاك المتزايد بالمجتمعات المتقدمة صناعياً إلى إضعاف تلك الحضارات التي تطورت فيها الحرف وإلى حدوث الإضطرابات فيها بإستمرار...وإن أكثر الناس تأثراً هم الذين تضطرهم حاجتهم إلى إستهلاك تلك البضائع المنتجة صناعياً.وتكون النتيجة دماراً ثقافياً ونفسياً وأخلاقياً ومادياً.بيد أن هؤلاء الناس أنفسهم هم الذين يملكون المعرفة الدقيقة لكيفية العيش في إنسجام مع البيئة المحيطة فقد أدت الخبرات التي تراكمت عبر آلاف السنسن إلى تطوير لأنماط بناء قليلة التكاليف توظف فيها المواد المتوفرة محلياً والقدرة على تهيئة المناخ الملائم...وكانت هذه العمارة على درجة عالية من التعبير الفني"[1]

بل وما يتميز به هذا التراث العمراني أنه هو رمز التطور الإنساني. أحمد السيف أستاذ التخطيط في جامعة الملك سعود يسلط الضوء على ذلك "التراث العمراني هو رمز لتطور الأنسان عبر التاريخ وهو يعبر عن القدرات التي وصل اليها الإنسان في التغلب على بيئته المحيطة به، وكلمة التراث تعني الشئ المتوارث عبر الأجيال وهي كلمة واسعة المعنى ولكنها تعني الأهمية الإجتماعية أو الحضارية أو السياسية أو الدينية للشئ المتوارث...لذلك فالتراث العمراني هو تتابع لتجربة وقيم حضارية وإجتماعية ودينية بين الأجيال....(و)المحافظة على التراث العمراني لاتعني المحافظة على التراث العمراني القديم فقط ،بل تتابع الأسس والمعايير التصميمية والتخطيطية القديمة في الأنماط العمرانية الحديثة"[2]

بل إن التقدم مرهون بحجم الذخيرة التراثية وقد لا يكمل الجمال الفني المعماري دون استحضار عناصر التراث .والمعماري علي الشعيبى يؤكد ذلك"وإذا كانت بعض الفنون تستطيع أن تبتعد عن التراث لكونها نهاية في حد ذاتها ، فإن التصميم العمراني والمعماري كفنون تطبيقية لاتستطيع التقدم دون تراث...(و)إذا وسعت النظرة إلى التراث من مجرد آثار وطرز تشكيلية كلاسيكية إلى نظرة واسعة تشمل الكلاسيكي والشعبي وتشمل إمكانات الإستفادة مما هو قائم منه وتشمل نماذجه وأنساقه وتشمل المؤسسات التي أنتجته وتشمل القيم التي ارتبطت بها ،فإن التراث سيصبح مصدراً للأجيال الحالية والقادمة يساعدها على إستعادة القيم الإنسانية في بيئتها وجعلها أكثر قدرة على البقاء"[3] ولهذا فنتوري أحد أعظم معماريي القرن وأبرز منظريه ورائد من رواد الطرح الجمالي في العمارة استهوته العناصر التراثية . فيوضح البعد الجمالي العميق للعنصر التقليدي في كتابه الفريد في نوعه الثري في أفكاره العميق في تحليله" Complexity and Contradiction فيؤكد أن العمارة لها تقاليدها وهذه التقاليد يمكن أن تكون بياناً آخر للنظام بالغ القوة وعلى نطاق واسع فيؤكد أن على المعماري إستغلال التقاليد وإحياؤها .وقد تناولت أحد أفكاره العنصر التاريخي وهي فكرة الإحتوائية Conclusivness فيرى فيها إستيعاب العمل المعماري لعناصر وأشكال تاريخية يرى المصمم أهمية إيجادها لإحداث أثر نفسي لدى المتلقي بلا ضرورة أو ظرفية تحتمها طبيعة الموقع ونوعية البناء (كما هي عادة معماريي Post Modernism ما بعد الحداثة) [4].

إذاً هناك أهمية واسعة ونتائج هائلة في القيم التراثية والعناصر التقليدية فتعتبر ذخير لاتقدر بثمن ، يصعب إغفالها. فكيف بتركها أو تجاهلها؟ فإن الحصيلة التراثية هي بوتقة الخبرة لتطوير أنماط بنائية جديدة والتعبير الفني الجميل في العمارة بنظام نادر ونطاق واسع بالغ القوة وهي رمز التطور الإنساني وبوابة تقدمه.إذاً حين تتصارع كومة من الأسئلةو تلح على الضمير المحلي والعقل العربي مثل :

هل توظيف الفكرة التقليدية والقيم التراثية تحمل صفة التخريب للمنتج العمراني الحديث؟ وهل المعاصرة تعني التنصل من الماضي الى كل حديث من أجل جودة تصميمية ملائمةلمجتمع العصر؟ فإنه بناءاً على المخزون الهائل من الإمكانات- المذكورة مسبقاً _في التراث العمراني تكون مثل هذه الأسئلة والأفكار المقحمة على الفكر المحلي إجحاف في حق هذا التراث أيضاً فإنها تعتبر محل نظر.

حي مدينة العمال يعتبر من بديات التنمية العمرانية الحديثة في المنطقة ، يعود الى الخمسينات من هذا القرن . أنشئ في مدينة الدمام من المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية ، ويعرض إجابات لمثل هذه الأسئلة اوطرح مخارج لمشاكل العصر العمرانية. فقد أمكن إسقاط القيم التراثية . بل وأكثر من ذلك تم توظيف بعض العناصر المعمارية التقليدية في هذا المشروع .

إن الغاية المرجوة من وراء هذه الدراسة هو إعطاء زخم من ألأمل لمعماريي اليوم وجرعة من التفاؤل في عمارة اليوم من أنها تملك إمكانات باهرة لتوظيف مبادئ التراث دون أن تفقد معاصرتها بل قد تصل الى ذروة جودتها. حتى يمكن تدارك ماإنكسر مما بقي وماسيأتي بإذنه تعالى في التنميات العمرانية الضخمة التي ستشهدا بلادنا في العقود المقبلة إن شاء الله.

2- نبذه عن تاريخ نمو البيئه العمرانية فى مدينة الدمام من التقليديه الى الحديثه

مما لاشك فيه أننا نحتاج للنظر من نافذة تاريخ المدينة لقراءة أحداث بناء البيئة العمرانية منذ بدايتها حتى عهدنا هذا.وبالتالي معرفة طبقات البناء العمراني التي مرت بها البيئة العمرانية ومرجع قواعد تنظيمها ،حتى يمكن تحديد فترة وخلفيات بناء البيئة التقليدية وسماتها ، وماتبعها من نقلة عصرية ووجه المفارقات بينهما.

وباختصار فقد مرت مدينة الدمام بثلاث مراحل . فقبل عام 1940 كانت الدمام قريه صغيره تعتمد على البحر والزراعة وتمتد على ساحل البحر بطريقة عشوائيه [5] .فعندما بدأت أبار النفط ألأولى في الموقع الذي أطلق عليه قبة الدمام تتدفق ومن ثم بدى في استغلال النفط تجاريا،لم يكن في المنطقة المجاورة لها مباشرة مدن ذات فعاليات اقتصادية...وكانت أقرب مراكز التجمعات السكانية الصغيرة هي الخبر والدمام،واللتان سكنهما الدواسر حديثا بعد نزوحهم اليها من البحرين في أواخر عام 1927 ...وقد أقام الدواسر في أكواخ من جريد النخيل وسعفها...وكانت عدد الوحدات السكنية القائمة فعلا في مدينة الدمام عام 1935 أقل من ثلاثمائة وحدة سكنية ...وحتى عام 1935 ...كان المنزل الوحيد المبني من الحجر هو بيت أمير الدمام"[" (السبيعي 1989م) " ثم شرعوا( السكان) في بناء مساكنهم من مواد بناء محلية.لذلك قامت شوارع ضيقة غير مستقيمة على النمط التقليدي للمدن العربية ألأسلامية"[6]

ثم وبعد اكتشاف البترول بكميات ضخمه مع نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت تتوسع اعمال شركة ارامكو السعودية فى المنطقة وتجذب رؤوس الاموال المحليه وتنشطها. وفى عام 1947 وجه امير المنطقة دعوه لا رامكو السعوديه لتخطيط المدينه شمال وجنوب وغرب المدينه القديمه (الدواسر) لوضع مخطط تنظيمي (Master Plan) لاستيعاب الطلب الجديد على المستودعات والسكن والورش وغـــــــــيرها[7] فاستجابت ارامكو السعوديه وقام مساحوها باعداد المخططات وحدد على الطبيعه القطع والطرقات. وبدأ نظام الاسكان فى ارامكو السعوديه مع عام 1949 مع توفير ألأعانة المالية والفنية للمستفيدين من موظفيها .

وقد بنيت بعض المساكن بالطريقه التقليديه في هذه المرحلة ، بالرغم ان المساكن اتبعت التصميم فى القطعه المستطيله المستحدثة. ومع مرحلة التوسع فى اسكان ارامكو السعوديه فى عام 1950 ، تم استقطاب مجموعة من المهندسين من الدول العربيه القريبه الذين نقلوا معهم فكرة الهيكل الخرساني والطوب الاسمنتي وفكرة "الفيلا" ([Winter1981 ) وقد ساهم تبني الشركة لبرنامج خاص لبناء وتملك البيوت للموظفين السعوديين وتمليكهم لها منذ عام 1951 في اتساع المدن(وبالذات الدمام) وعمرانها،فقد بلغ مجموع البيوت التي انشئت في الفترة الواقعة بين عام 1951 وعام 1960 2800 بيتا،استأثرت مدينة الدمام برغبة أغلبية المشاركين في برنامج تملك البيوت حيث شيدت بها ثلثا مجموع المنازل (السبيعي 1989م). ثم فى عام 1953 طلب امير المنطقه من ارامكو السعوديه مخططا توجيهي تفصيلي (Comprehensive Plan) لمواجهة النمو السريع للمدينه كعاصمة للمنطقة الشرقية .واستجابت ارامكو السعوديه . فامتدت المدينه نحو الصحراء وظهرت شوارع واسعه جديده ([Winter1981 ) ومع تأسس وزارة البلديات والشئون القرويه فى عام 1965 طلب من الأستشاري "Candilis" وضع مخطط تنظيمي للمدينه. ([Winter1981 ) فكانت المدينة بسيطة النشأة قبل ألأربعينات تكونت من أكواخ من جريد النخيل .

ثم تلتها مرحلة العمارة التقليدية منذ أواخر الثلاثينات التي كونت المدينة وابرزت طابعها المعماري المعروفة به .وبعد هذه المرحلة في الخمسينات بدأ انتشار ألأنظمة الحديثة ذات المواصفات العالمية في التخطيط والتصميم والتي استمرت عجلتها دائرة الى يومنا هذا.فهذه هي الخلفية التاريخية لعمران المدينة وعقود بيئتها التقليدية. أما طابع هذه البيئة العمرانية فإن له سماته الخاصة به .

3- سمات البيئه العمرانية التقليديه فى مدينة الدمام
وقد عرفنا الخلفيات التاريخية لنشوء البيئة التقليدية ، فإن في هذه العمارة التقليدية تشكلت عناصر ألأصالة للبيئة العمرانية.ولنقف على عناصر ألأصاله لبيئه الدمام العمرانية ،لابد لنا من تلمس ومعرفة سمات البيئه التقليدية في هذه المدينة .
قبل عام 1947 اعتمدت البيئه التقليديه فى بنائها على المواد المحليه بنظام هيكلي دارج يتكون من اعمده حاملة وعناصر غير حامله .فاما الاعمده فمن الحصى البحري ويطلى عادة بالجص. وأما الجسور فمن جذوع النحل أو غيره .ثم توضع العناصر الغير حامله كالنوافذ الخشبيه والابواب وفتحات التهويه والجدران الفاصله. وعادة تكون الجدران الغير الحامله مقتطعة من الحصى البحرى (اوالفروش) أيضا مثل فتحات التهويه(البادجير).

فكانت المساكن عادة تنشأ من المواد المحليه. و فتحات التهوية (ألبادجير) تلك شكلت طابع بيئة الدمام العمرانية حتى عرفت بها ، مثل مدن المنطقة ألأخرى، لدورها الهام الفعال في تأكيد الوظائف المناخية المطلوبة و ألأجتماعية. ولهذا جاءت الجدران (في أغلب ألأدوار والسطوح) معقدة الإنشاء بإحتوائها هذه الفراغات الهوائية تتخلل جزء كبير منها.إن مناخ المنطقة حمل البيئة العمرانية الى إستخدام كل إمكاناتها لتحسين مناخها الداخلي الموضعي بكل الوسائل، وكان لابد أن تكون مفتوحة ماأمكن للنسيم العليل الطبيعي .فكان ظهور البادجير حل جدير بالعناية لتوفير التهوية الطبيعية.وفي نفس الوقت كان ذا إمكانات كبيرة لايمكن أن يسمح بإختراق خصوصية المسكن. ([Winter1981 ) وغالبا تكون المسكن من العناصر التاليه:

فناء داخلي ، تفتح عليه غالب فتحات الغرف ويوجد فيه رواق او سيب.لقد كانت فكرة الفناء الداخلي السمة التي ضمنت الخصوصة للعائلة،مع إضفاء الظل والحماية من الرياح الترابية وتوفير الضوء الطبيعي والتهوية الطبيعية ([Winter1981 ). وينقسم المسكن الى جزئين متميزين خاص وعام ،من أجل توفير الخصوصية العالية في أرجاء المسكن. فهناك مجلس خاص بالرجال وآخر للنساء. لقد تميز جناح الرجال بالفخامة في النهايات والزخرفة.والأهم أنه كان يحتل واجهة المسكن على الطريق ،ليوفر الخصوصية لباقي الغرف العائلية خلفه،وكان في هذه المنطقة مفتوح بنسبة كبير الى الخارج ليصطاد النسيم العليل البارد ماأمكن ([Winter1981 ). هذا الجناح أيضا ميز طابع مدينة الدمام عن غيرها من المدن،ليس مدن المنطقة فحسب بل حتى المدن العربية التقليدية . فتلاحظ جناح الضيوف أو غرفهم مختلفة تماما عن الجناح أو القسم العائلي ويمكن تمييزه بسهولة . وهذا ما ميز المدينة عن المدن الأخرى التي عرفت بإفتقارها للواجهات الخارجية . فتلاحظ أن الجزء النسائي يخلو من الفتحات نحو الخارج .بينما جزء الضيوف فيفتح نحوه وتزخر واجهات غرف الضيوف (أو شبه العامة) بالنوافذ على الطريق الأخرى ([Winter1981 )

واحتوى المسكن على مدخل يسمى دهليز،الرابطة الذكية بين الخاص والعام في المسكن لتوفير أعلى درجة من الستر لداخل البيت. وهناك رواق مغطى فى الدور العلوي يستخدم فى ليالي الصيف كمجلس للرجال. [8]

وغالبا كانت المساكن تبنى من طابق او طابقين وفى شكل مجمعات سكنيه "clustors" متلاصقه .فعادة تجمع المساكن فى مجمعات من اربعه او سته، والقله تكون مستقله،من أجل الحماية من المناخ المعروف في المنطقة وقلة المساحة أحيانا والتكيف مع الوضع الشبكي للمدينة أحيانا أخرى. ([Winter1981 ) .وقد كانت المساكن عنصرا مهما فى تشكيل المدينه القديمه (في البداية)عكس الحديثه التى خطط لها مسبقا. فالمساكن عينت الطرقات([Winter1981 ) .وتكونت عاده من طابق او طابقين.يرى الهذلول أن الضرر الناجم عن ألأرتفاعات بالبناء كان يعتبر أمرا غير محتمل (الهذلول 1994م). ولهذا انتشر التماثل في ارتفاعات المساكن في المجاورات التقليدية.وهيمنت فيها فكره التدرج فى الفراغات من العام الى الخاص فى هذه المساكن.

ثم بدأت الافكار الحديثه تدخل مع توسعات ارامكو السعوديه فى عام 1950 بجذبها بعض المهندسين من الدول القريبه الذين استخدموا الطوب الاسمنتي والنظام الانشائي الخرساني ولكن الاهم انهم أخيرا تخلوا عن البيت التقليدي الى نظام "الفيلا" (Winter19978 )

أي لقد تميزت البيئة التقليدية فى الدمام بقيم أساسية إجتماعية ومناخية وجمالية وغيرها . ومنها توفير الخصوصيه ، والحماية من أشعة الشمس مع محاولة توفير وضخ أكبر كمية ممكنة من التهوية والتبريد الطبيعي ، مع المحافظة على طابع متشابه تقريباً في الوحدة بإرتفاع متماثل تقريباً . فاعتمدت على تاكيد ذلك بأفكار وبعناصر كالتوجه نحو الداخل. والقيام على فكرة محوريه وعنصر اساسي هو الفناء الداخلي توجهت اليه غالب الفتحات والنوافذ، إلا جناح الضيوف الذي كان يفتح نحو الخارج .وأحاط ببقية البيت جدران صامتة تخللتها فتحات التهوية المعروفة . وتضامت الوحدات السكنية في تجاور وتلاصق بين وحداتها المتماثلة الإرتفاع بدور أو دورين.

4-إمكانات توظيف القيم التراثية
فهل بامكان المشاريع الحديثه استيعاب الافكار التقليديه؟
وهل يجب النقل الحرفي للفكره التقليديه لتوفيرألأصالة فى المشاريع الحديثة؟ وهل توفير الفكره التقليديه في المشاريع الحديثة يكون لها صفه التخريب؟
أسئلة ملحة واشكالية تتعرض لها البرامج المعمارية الحديثة.
حي مدينة العمال بالدمام ، اثبت وبعد هذه العقود التي قاربت الخمسة ، امكانية استيعاب وتوظيف الفكره التقليديه او المبدأ التقليدى والعنصر التقليدي ، جنبا الى جنب توفير المتطلبات والبرامج المعمارية الحديثة . فبالرغم أن النظام يقوم على الهيكل الخرساني المعبأ بالطوب الاسمنتي وبفكرة الفيلا وفي النظام التخطيطي الشبكي سمات مرحلة العمارة الحديثة المعروفة ، الا انك لاتزال تلمس مبادى التخطيط و التصميم التقليديه فى هذه المساكن وأحيانا تواجد نفس العنصر التقليدي دون أن يكون له أي أثر سلبي إن لم يكن له الأثر الإيجابي المحض.بل ويخدم النتج الحديث دون أن يكون عبئاً عليه.فأنشئت المساكن متلاصقه ومتراصه لتعيد فكرة التجمعات الاسكانيه القديمه (Clusters) في الدمام.فيعتبر التلاصق من سمات المدن التقليدية المعروفة والمهمة يقول أستاذ العمارة التقليدية ، جميل أكبر "تتكون المدن في العادة من كتل سكنية .وكل كتلة سكنية تتكون من عدة منازل ولأن المباني متلاصقة في كل كتلة سكنية ،فسكان كل كتلة سكنية يكونون جماعة من الناس تربطهم علاقات إتفاق ملزمة عن طريق الحوائط المشتركة"[9]

ويسلط الضوء أحد الباحثين فيقول" لعبت العوامل الإجتماعية دورالإ بارزاً في تشكيل المسكن والبيئة العمرانية حوله فقد أدى النظام الإجتماعي القبلي إلى تلاصق وتجاور المباني وتقاربها.....وأيضاً تصميم المسكن بحيث يتجه بالكامل نحو الداخل ، مما أوجد نظام الفناء ( الحوش) ، فالفناء الداخلي يؤمن الخصوصية...."[10]

هذا النظام التخطيطي ساهم فى ستر جهتين من الوحده السكنية فوفر الخصوصية بل وجعل من النظام الجديد واسع المرونة والتكيف السهل حتى استوعب توفير الفناء الخلفي بحل رائع لايخدش الخصوصية المطلوبة بدرجة كبيرة.
فأما الفناء الخلفي ففتحت نحوه الفتحات والنوافذ ألأخرى المطله وبالذات العائلية. لاحظ أيضا أن بعض الوحدات (وان كانت تعد على ألأصابع) حازت على فناء أو ارتداد جانبي جهة الطريق، ومع ذلك لم يفتح في الجدار على هذا ألأرتداد أية فتحات. فهنا توضيف للفناء المعروف ولكن بطريقة تتناسب والفكر الجديد.
وهذا النظام التخطيطي أيضاً رفع كفاءة الأداء الحراري للوحدة السكنية نظراً لعملية التبريد الطبيعيي الناتج عن الحماية من / عزل أشعة الشمس ."
فتعتبر الحماية من أشعة الشمس القوية بالمناطق الحرة من الأشياء الضرورية. ..ويتم ذلك بواسطة إتباع الحل المتضام Compact في تجميع المباني سواء التجمع السكني أو وضع مجموعات المباني بعضها مع بعض مما يقال من تعرض الأسطح الخارجية لهذه المباني لأشعة الشمس الشديدة."[11] أما فتحات التهوية ألأخرى فكانت أداة لتوفير التهوية الطبيعية والتبريد المباشر للغرف ألأخرى بعيدا عن الخارج غالبا.وتواجد النوافذه الكبيرة الخشبية المخرمة المائلة في جناح الضيوف المطلة على الطريق ، كعادة وغرف المنطقة، ساهم في توفير الخصوصية والتهوية الطبيعية أيضاً المباشرة لها.
كما أن الوحدات بنيت من دور واحد مع سطح. فتعذر (الى حد كبير) بهذا المستوى من عدد الادوار أن يكشف أحد الجيران .وحتى فتحات السطح للتهويه كانت غالبا موجهه نحو الفناء الداخلي الامامي (ان وجد) وإلى الطريق. يقول صالح الهذلول احد منظرى المدخل الشرعي لمفهوم المدينه الاسلاميه " ليس بغريب ان يدخل مبدأ تحقيق الخصوصيه والحفاظ على حرمة الحياه الاسريه فى صلب اختصاصات الفقهاء، فكشف مالايمكن للسابل في الطريق رؤيته يعد تطفلا وانتهاكا لحرمة خصوصية الحياه الاسريه ممالا يحتمله السكان ولايقره الفقهاء ويعتبر الاطلاع والكشف أذى وضررا يجب تحاشيه او ازالته ومنعه إذا وقع ..(ويستطرد صالح الهذلول :) "وقد تمثل الاهتمام بتحقيق الخصوصيه الذاتيه وحماية السكان فى منازلهم من الكشف والاطلاع فى التكوين العمراني للمدينة العربيه الاسلامية بعدة طرق منها تحديد ارتفاعات البناء فى المدينه وتفادى الفتحات والنوافذ فى الجدران المطله على الشوارع او معالجتها بأساليب معماريه خاصه وفى التصميم مداخل المنازل من ال****. "(الهذلول 1994م) . ونتج من ذلك طابع معماري مريح على النفس البشرية لساكن المنطقة (أي في فترته قبل التدخلات المختلفة على التكوين الفيزيائي للحي) لأنه مما يألفه فضلاً عن إنسجامه مع الحجم الإنساني فتفبلته برحابة صدر لأنه لامس خصوصياتها فنثر عليها الطمأنينة مثلما نثر عليها الجمال البسيط المحبب.ولاحظ هذا الطابع البصريالهادئ الجميل في الأحياء الحديثة في المدن الحديثة في المنطقة الشرقية . وبالمقابل قارن كل ذلك بالفوضى البصرية في مدننا التي أعيتنا وأقلقتنا فلم تراعي للإرتفاع أية أهمية .

فشاعت الخصوصيه في أرجاء المسكن داخلا وخارجا واطمأن صاحب الدار على أهله ونام قرير العين. ولهذا نادرا ما تجد صفائح الحديد في هذا الحي مثل غيره من الأحياء الجديدة التي انتشر ت فيها رفع الأسوارالحديدية لتوفير الخصوصية وهذا بحد ذاته يعتبر من الفرائد في احياء هذا العصر الحديثة . لأن هذه الأحياء الجديدة تنكرت لتلك العناصر التقليدية وأعراف المنطقة القديمة فتخلت عن الفناء والتجاور وغوت نظام الفيلا بإرتداداتها المحيطة المتسعة فضلاً عما يكتنفها من شوارع واسعة .فجنت على نفسها وملامحها المحسوسة الجميلة بأوشام جدارية منكرة في هيئة صفائح معدنية عالية

إذا المبادئ التقليديه لم يكن لها صفة التخريب والتأخر والرجعية حين وظفت فى المشاريع الحديثه. بل بالعكس أمدت مشاريع المستقبل بالاداء الافضل والعطاء المستمر. فاستوعبت المشاريع الحديثه (إلى حد ما) تلك المبادئ التقليديه باقتدار واستغلتها أحسن استغلال فى سبيل تعزيز وظائفها ومتطلبات برامجها المعماريه الحديثه . حتى رضي عنها المجتمع غاية المخططين الحضريين . وشكلت طابعاً جميلاً كلّ عن التوصل إلى مثله المعماريون والمخططون المعاصرون حتى انتشرت في هذه الأحياء الحديثة صفائح الحديد التي أعيت مسئولي الجمال فيها وآلمتهم كثيراً بسبب التشوهات الجدارية المذهلة في أرجاء المدينة . أي أن الناتج النهائي الذي وظف العنصر التقليدي كان أفضل أداءاً للمجتمع وأجمل على نسيج الحي من تركة الأحياء الجديدة الأخيرة . وبمعنى آخر كان من الأولى أن نستفيد من الإمكانات في هذه المشاريع ونبنى فىبرامج تطويرنا على هذه المشاريع أو على الأقل الجيد مما سبق . المهم نجري محاورة علمية للتجربة العمرانية الجديدة القائمة ، وندرسها ونحللها بنقد علمي جاد كي نخرج بتقارير مستقبلية Forcasted Reports قبل أن نتجاهلها فنقع فريسة مشاكل ببيئية رهيبة لاقبل لنابها إلا بالخسائر الفادحة الإجتماعية والإقتصادية الضخمة نتيجة غض الطرف والإهمال.. أي أن لا نبدأ من جديد بل نبدأ من حيث وقف الآخرون. وهذه فائدة عظيمة من فوائد توظيف القيم المكانية في مشاريع العصر الحاضر وهي توفير الوقت ووسيلة لجودة الإنتاج الذي يلائم السكان ويرفع درجة الرضا بينهم. فإن هناك إمكانات متعددة وضخمة في عناصر تصميم العمارة الحديثة وخاصة إذا تمت الإستفادة من حلول ومبادئ العمارة المحلية التقليدية مؤشر ألأصالة المد خرة في هذه الحلول ، لتعزز نواحيها التصميمية لأنها بذلك تفي بمتطلبات السكان المختلفة ،سواء الإجتماعية أوالثقافية أوالإقتصادية أوغيرها ،في البرنامج المعماري المعاصر الحديث فتكسب المنتج المعماري النهائي أداءا أفضل بكفاءة عالية وجودة أعلى . يقول أحد المهتمين بعمارة التراث"إن مانحتاجه الآن هوإعادة النظر في البرامج الدراسية والأنظمة البلدية بحيث يمكن دراسة والإستفادة من الحلول التراثية إستفادة حديثة "(الشعيبي 1997م)






5-المراجع.

1- فتحي ، حسن"الطاقات الطبيعية والعمارة التقليدية"بيروت ،1988

2- السيف،أحمد المحافظة على التراث العمراني"ورقة مقدمة لأمسية العمارة الإسلامية والتراث في المهرجان الوطني للتراث والثقافة،الرياض ،1997م

3- الشعيبي ، على "تأثير التراث في مستقبل العمران" ورقة مقدمة لأمسية العمارة الإسلامية والتراث في المهرجان الوطني للتراث والثقافة،،الرياض،1997م

4- فنتوري روبرت"التعقيد والتناقض في العمارة" ترجمة سعاد مهدي 1987م
ورااجع: الناجم ،علي والذرمان فؤاد"بعض أطروحات فنتوري" مجلة المهندس جماد ثاني 1412هـ
وراجع الناجم علي :الفناتير محاولة للإبداع المعماري" نشرة العمران، محرم 1420هـ

5- السبيعي،عبدالله"اكتشاف النفط وأثره على الحياة ألأقتصادية في المنطقة الشرقية-1352-1380/1933-1960" مطابع الشريف1989،

6- الهذلول ،صالح"المدينة العربية ألأسلامية،1994م

7- Winter Halter”Indigenous Housing Pattern and Design Priciples in the Eastern
Province of Saudi Arabia”Adissertation for the degree of Doctor,1981

8 - Winter Halter”Housing Pattern in the Eastern Province of Saudi Arabia Proceedings of IAHS international Conference,1978

9- أكبر،جميل "عمارة الأرض في الإسلام"بيروت،1992م

10- البراق،خالد وحنفي عصام"أثر البيئة على الطابع المعماري للمسكن في المملكة"المؤتمر الهندسي السعودي الخامس،مكة،1999م

11- الوكيل شفق وسراج محمد"المناخ وعمارة المناطق الحارة"عالم الكتب،القاهرة،1989م

ro9naldo
18-07-2006, 09:06 AM
مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووور

احمد حسني رضوان
30-10-2006, 12:04 AM
مقال رائع
شكرا لك اخونا الكريم

روح العمارة
29-04-2007, 06:24 PM
جزاك الله كل الخير والصحة
مشكوورررررررررررر