نور الهدى
13-10-2004, 03:45 PM
http://www.arabkom.com/up/uploading/P18-01-22059.jpg
زهاء حديد
المعمارية العراقية العالمية زهاء حديد تتحدث عن رؤيتها الخاصة لفن العمارة وعن مشروع في لبنان:
الحلّ الترميميّ لبيروت ليس الأنسب لها
نشوة الحركة الهندسية في تمرِّدها على الجاذبية
قليل من كثير الشعور الذي رافق كتابتي محتوى لقاء مختصر جداً مع المعمارية المضيئة زهاء حديد في فندق الفاندوم. خاصة اني كنت انتظر منذ زمن غير قصير، وحتى قبل نيلها جائزة بريتزكر لسنة 2004، حدوث مثله، للثراء المخزون في تجربة حرّضت منذ اولى خطواتها في
مهنة قد تكون الاصعب اليوم للفوران الشرس في الفنون والعلوم، على تفجير المنظر العام للمدن الجديدة بانزالها في المواقع الجغرافية الموكول اليها بناؤها نماذج لو نُصبت واكتملت لاحدثت عصرنة قصوى في المكان، ومن ثم في فن العمارة في ازمنة العولمة.
وبلسان ململم على نقيض موهبة اليد ومزاجية المخيلة وطلاقة التعبير، تحكي زهاء حديد كمن يقول ولا يقول، او كمن يقول ايحاء، وبما قل ودل، عن مسيرة تركت بصماتها الجارحة في عمارة غرقت منذ تياري “الباوهاوس” و”التركيبية” في المسارات المتطرفة التي تغذّت اكثر
فاكثر من انحياز العالم الى التكنولوجيات المتطورة دوماً. ومع زهاء حديد كأنك فوق رمال متحركة، فالكل متحرك، والكل في غليان، ولو تأخرت لحظة فكأن قطاراً فاتك وزمناً تخطاك. ويبقى فيك الاحساس الغريب بأنك مع معماري لم تبق لديه رغبة في تكرار افكار يصعب حصرها
في لقاء بعدما نمت تصوّراً لا يكل ورسوماً أسرت وعمارات أضحت مرجعاً في فنون زمن مفصلي لم يُبْقِ على شيء من قرن عشريني أخذت حداثاته تهرم في سرعة فاجأت كثراً.
تكرر زهاء حديد عبارات كأنها المفاتيح السرية لعالم عمارتها. تتوقف عند اضاعة الجاذبية فاعليتها التاريخية في فن العمارة. وتدل على ان افضل الادوات لتحريك اي تصميم معماري قد تختصر في عنصري التتابع والاختلاف اللذين يضمنان للمعماري بلوغ النتائج غير
المتوقعة. وترفع عناوين الاستعانة بالجديد من تكنولوجيات اليوم لتجاوز المتوارث، حتى في مجال حداثات القرن العشرين. ولا تمتنع عن ابراز اعجابها بالتركيبيين الروس في العشرينات من القرن الماضي، وان تصرفت دوماً تحت شعارات تفكيكية اعطتها كامل الحرية في التصرف
بالركائز التي تربط الاحجام المعمرة بالموقع الجغرافي الخاص بها. وتؤكد عدم انحيازها الى هذه المادة او تلك، فالزمن صناعي اختراعي بامتياز، والمواد على تجدد دائم، فكيف عدم التنبه الى كل جديد، والعمارة بالنسبة اليها بناء جديد لمدينة جديدة.
ومراراً بدا لي ان زهاء حديد قد تُفاجأ هي شخصياً بما تصل اليه زهاء حديد بعد رحلتها الطويلة في دنيا الرسم السريع، اي “الكروكي”، بحثاً عن توازنات فضائيةكانها طيارة في فضاء لا فوق له ولا تحت.
وذكية على برودة ذهنية لمّاعة هذه المرأة العربية التي اخترقت -- رغم ان لا احد يريد الاعتراف بذلك – الحواجز شبه المستحيل تخطّيها التي تعترض الانسان العربي مهما كانت حارة موهبته، في ازمنة ما بعد ايلول النيويوركي. وعبارة ترد كالشعار: تكفي ورقة في الهواء
لصنع فضاء حر يبني حجماً يخربط موقعاً في المدينة. وهكذا تبني زهاء حديد عمارة الغد.
زهاء حديد: ما تقوله صحيح، فمساهمتي في العرض تحمل بعض خلاصات تجاربي كمعمارية في مجال تفاعل البناء الذي أصممه ليحل بكامل كتلته في الموقع الجغرافي المحدد له، مع المنظر المتحوّل دوما للمدينة.
نزيه خاطر: كأنك تشيرين الى عنصر الحركة؟
زهاء حديد: ان تعمّر له معنى اولي يتمحور بدائيا حول تحريك المعماري للمكان. أما بالنسبة اليّ فلا يأخذ هذا التحريك للمكان كامل معناه إلا إذا نجحت كمعمارية في خطفه الى حداثة اكثر” تثير شكوكاً لا تحصى حول الطابع الهندسي للأبنية حوله.
نزيه خاطر: لذا ربما كان اللقاء مع الكوريغراف البلجيكي فريدريك فلامان في 1977...
زهاء حديد: بلى، وبعد تعاونه مع المعماريين الأميركيين ديلر وسكوفيديو المنحازين في شغف الى تركيب – تفكيك الفضاء المعماري والمديني...
مما يقربنا جدا من الجو الخاص بزهاء حديد، والمعروف عنك ارتكازك القوي في تصاميمك على بعض مكاسب التيار التركيبي في موسكو العشرينات من القرن العشرين، رغم التعديلات الكبيرة التي قمت بها والتي أوصلتك الى رؤية مناقضة...
- أغراني العمل مع الكوريغراف فلامان لولعه غير المحدود بالمدينة الجديدة، ولم أجد غربة ولا غرابة في مشاركته طرح الاسئلة الكثيرة حول الفضاء المتحرك دوما لمدينة تحت التكوين...
تحت التكوين في الزمن التكنولوجي؟
- والا كيف يمكن المعماري ان يخترق الجدران الثابتة والفضاءات التقليدية الى حيث يؤسس لتصور أكثر عصرنة لعمارة تخطف المكان ومنظره التنظيمي المدني لتعلن تميّزها عما يجاورها من نسيج بنائي تجعله يبدو متقهقرا مقارنة بها.
أبعد من التقنيات
هذه طريقة ذكية للّفت الى دور العنصر التكنولوجي في ايجاد الحلول لمشكلة واجهتها طويلا. وتختصرها ربما صعوبة منح شكل مادي مجسّم لتصاميم انجزتها على ورق في مكتبك اللندني.
- قالوا عني كثيرا إني أبني على الورق...
ما أرغب في استيضاحه منك، وقد اخذت علما بالحضور القوي والخصب للتكنولوجيا في عملك مع الكوريغراف فلامان في بيت الدين، يتناول الترابط المتين لديك بين الجموح الابداعي الذي يطل كأنه في موقع التحدي من اكثر الحداثات المعمارية، واللجوء القوي الى اكثر
التكنولوجيات تطورا لإعطاء هذا الجنوح فرصة عملية ليكون...
– مزاجيتي...
طبعاً، طبعاً، عشنا بعضها من لحظات...
- مزاجيتي تدفع بتصاميمي الى ابعد من التقنيات السائدة حاليا في ورش البناء، حتى تلك الورش التي لا تبخل على نفسها بالآلات المتطورة جدا...
كأنك توحين ان وراء بقاء مشاريع لك ظلت رغم نيلها الجوائز الاولى “تصاميم على ورق”، عجزاً ما في قدرة التقنيات المستعملة على انجاز هذه المشاريع.
–آخرون أشاروا الى ذلك، أما أنا فلديّ من الانشغالات اليومية ما يكفي، وأهم نقطة لي ألاّ أكرر امرا ضمن مبدأ “التتابع والاختلاف” الذي يضمن لتصاميمي حرية الاختمار بلا حدود.
معروف عنك انك تثيرين مع كل مشروع لك العواصف التي تترك أعمق الأثر في الانسان المعمار وفي مواد البناء.
- الأمر اكثر تعقيدا، خاصة أن الزمن زمن إعادات نظر كاملة في عالم البناء، ومن الركائز الى التفاصيل. ولو شاء معماري أن يتصور جديدا فهو حتما معرّض للتواجه الخصب مع آخر الاكتشافات التكنولوجية التي تنوعت وتخصصت حتى غدت تضم اجيالا. حتى ان كلمة تكنولوجيا
لم تبق تعني شيئا. ويوم كان علي تحقيق مشروع المحطة الكهربائية في مدينة وانهايم استعنت بالكومبيوتر الاكثر تطورا لوضع الحلول الدقيقة جدا للتفاصيل شبه المستعصية الخاصة بالبنية، والا ما كان الانتقال من “الكروكي” على الورق الى الحجم المبني ممكنا...
البصمة الذاتية في عصر العولمة
يقال كلام وفير عن نخبة تصادر لمصلحتها اهم العقود العالمية، ويبدو ان اسمك بين هؤلاء، واليوم لديك اكثر من مشروع في باريس ونابولي وتايوان وطوكيو وكانتون الصينية...
- إنها طبيعة العمل في عصر العولمة، والبناء في هذا الزمن، بل منذ منتصف القرن العشرين، تجاوز الفولكلوريات والبلديات والمحليات ليتزيا بالملامح المصقولة في عنف من شخصية معماري لديه “بصمته الذاتية”...
لدي سؤال حول كلام تردد كثيرا لمناسبة منحك جائزة بريتزكر 2004 عن أثر للفنون العربية، والبعض يقول للفنون الاسلامية، في تصاميمك المعمارية؟
- هم الذين يقولون ذلك، لكن هذا الأمر لا يشكّل جزءا من هواجسي، ولو حدث شيء من هذا فقد يحصل تلقائيا من كوني انسانا عربيا، فانا مولودة في العراق عام 1950، وعشت زمنا في بيروت قبل انتقالي الى لندن حيث درست فنون العمارة في معهد “اركيتكتورال اسوسييشن” قبل
تأسيسي مكتبا اصبح يضم حاليا نحو ثمانين اختصاصيا ينشطون في كل مجالات البناء.
كل ذلك في لندن، ورغم انتشار عمارتك في انحاء العالم، لم تبن شيئا في الجزر البريطانية؟
- ربما لأنهم لا يحبونني، لا أعرف...
دلّت الصحف التي غطت خبر جائزة بريتزكر، على زهاء حديد بـ”المرأة الانكليزية من أصل عراقي”.
- لا علاقة لهذا بذاك، فأنا أنا وليس لأحد ان يخبرني من أنا.
وفي العالم العربي هل من...؟
- جسر في ابوظبي.
وفي لبنان؟
- ربما...
مشروع لبيروت
هل تخبئ هذه الـ”ربما” نَعماً حذرة ؟
– بلى ، ثمة كلام بلغ حالة متقدمة حول مشروع “سيشاد” في وسط المدينة بطلب من مصرف كبير ذي حضور، وأعتذر عن تقديم تفاصيل أكثر فالموضوع سري الى الآن.
يهمنا ان تضاف عمارة من تصميم زهاء حديد الى مجموعة الانشاءات المميزة التي تزين المنظر العمراني اللبناني من طرابلس الى بيروت الى جبل لبنان...- سيحتل البناء الارض المجاورة لمصرف عودة في المحلة التاريخية المعروفة سابقا بباب ادريس مع واجهة تطل مبدئيا على
ال**** الذي يمر بين الكنيس اليهودي وعمارة بيضون المعروفة بالستاركو...
وبذلك سيضاف الى مشاريع تعود في تصاميمها الى اسماء كإيكوشار وفوجنسكي ونياماير وفيلمولّ في انتظار بناية كل من جان نوفيل وستيفن هول... وكل هذا سيؤلف مشهدا معماريا مثيرا، وسيكون في الوقت عينه، وبالنسبة الى مشروعك، جوارا حارا وتحديا جديرا بما هو معروف
عنك؟
- يأخذ البناء كامل معناه لحظة يفرض حضوره غير المتوقع في المكان، فيتحول الى عنوان يُدل الناس به على هذا المكان. ونتيجة كهذه تصنع “الحدث المعماري” الذي يحدد مكانة المعماري بين زملائه، وهذا الأمر ليس بين هواجسي التي تختصر في تنفيذ ما صممته على الورق في
أفضل ما يخدم العصب الذي يجعله ينبض نبضا بكل قامته ونسيج جلده.
لعلك تشيرين هنا الى المواد، فماذا تفضلين منها؟
- لا أحبذ تعدد المواد والاشكال، أنا أفضل اذا شئت التركيز على نوع واحد...
أي على مادة واحدة؟
- معظم المباني في مادة “الكونكريت – الاسمنت” لكن ذلك غير حصري. وضمن هذا الإطار يعجبني المعدن، لكن يجب أن يكون استخدامه متقنا جدا...
اشرت آنفا الى زمن معماري معقود على الجديد، كل الجديد...
- تعددت اليوم المواد وهذا شيء مذهل.
عالمان للعمارة
من باب الاستعادة، أين أنت حاليا مقارنة بالبدايات؟
- أعتقد ان التصاميم اصبحت اكثر تعقيدا. في البداية كان هناك في فن العمار عالمان، الاول عالم الانتاج الكبير، الذي يؤدي الى التكرار، أما الثاني فمحوره العنصر التاريخي كمفهوم للفعل المعماري. وجئنا لنقول بامكان التعاطي مع المدينة الجديدة. وفق مبدأ
المجاورة والمراكمة، فخلقنا خلال عملنا فضاء اكثر تعقيدا، وفي الوقت عينه اكثر دينامية.
أعود الى موضوع هل ثمة عنصر عربي او اسلامي في عمارتك، بلى أم لا؟
- لدي ملاحظة صغيرة اضيفها الى كلامي السابق في الموضوع. اعتقد ان هناك ترابطا ولو شكليا بين الكاليغرافي- الخط، والتجريد، مما يدفع البعض الى الاعتقاد أن السيولة المنسابة في خطوط رسومي مصدرها الخط العربي. ومن حق الآخرين ان يحللوا كل شيء على مسؤوليتهم،
وقد يكون هناك ترابط.
تتحدثين عن السيولة فيما هناك عنف تختزنه رسومك في جرأة، ومن ثم “الكروكي” الخاصة بتصاميمك؟
- اعتقد ان العمل لم يكن عدوانيا لكنه حاد، بلى حاد، انما اصبح فيه الآن سيلان أكثر. لو كان هناك فضاء دينامي فثمة ايضا الفضاء السائل والفضاء المتقطع والفضاء المفكك... وعندما تأتي هذه الفضاءات معاً في آن واحد يكبر عنصر السيولة الذي يغذي عنصر الحركة، وهو
الأهم والمصدر الرئيسي لعاملي التتابع والاختلاف اللذين يضمنان للمعماري نضارته الابداعية المعقودة على ألاّ يكرر الشيء نفسه.
نشوة الحركة
كأنك في مكان ما تختارين السير عكس التيار التقليدي الذي يبني تصاميمه على الجاذبية والتوازنات التقليدية بالنسبة الى الحجم والوزن.
- كيف السبيل الى نشوة الحركة إن لم تتمرد اولا على الحضور التاريخي لعنصر الجاذبية في العمارة؟ ولا تهمني الحركة للحركة، فهي عندئذ ذات حضور مجاني، بل ان تصنع الحركة نظاما جديدا للعمارة.
اعطني مثلا صورة بسيطة تجسم ذلك.
- يكفي طيّ ورقة لتبني حجما ولتطلق حركة في الوقت نفسه.
وفي هذا الاطار متى تفكرين ان تصورك “زبط”؟
- عندما يقترن الطابع الوظيفي بالطابع التأليفي.
وفي كلام آخر؟
- لدى بدء اي مشروع تضع طموحك امامك وتقول: يجب أن أصل الى هنا، وأحيانا هناك صعوبات، لكنك ستعلم ان كنت ستصل ام لا...
يحضرني سؤال هنا عن بيروت: ستعمرين في بيروت، فهل تحبين ذلك؟
- لم أزرها جيدا، لا استطيع الاجابة... غير ان ما كان يعجبني في بيروت قديما هو “شربكة” المدينة، فتنظيمها كان مختلفاً، لم تكن على شكل كورنيش...
تقصدين كما هي حالياً.
- تنظيمها كان مختلفاً بالنسبة الى البحر. واظن انهم خلال مشروع الترميم اعتمدوا حلا غير ما كانت عليه، وأنا شخصيا لا أظن انه الحل الأنسب لمدينة كهذه، أي “مشربكة”.
في الموقع الذي تعمرين فيه “تخربين” ايجابيا الفضاء السائد مهما كانت ملامح وطبيعته، لذا اعود الى سؤالي عن الموقع الذي ستتدخلين فيه معمارياً.
- اعتذر عن تقديم معلومات غير مسموح بعد اعلانها.
حسنا، سؤال اخير: نلت جائزة بريتزكر لهذه السنة 2004، وانت اول امرأة تنالها وهي الجائزة الاكبر والاهم في عالم المعماريين. في بساطة ، ما شعورك؟
- السعادة، في كل بساطة، السعادة. خاصة أني لم أفكر فيها حتى آخر لحظة. في صراحة، أنا سعيدة.
نزيه خاطر
النهار
http://www.arabkom.com/up/uploading/P18-02-22059.jpg
جسر الشيخ زايد
زهاء حديد
المعمارية العراقية العالمية زهاء حديد تتحدث عن رؤيتها الخاصة لفن العمارة وعن مشروع في لبنان:
الحلّ الترميميّ لبيروت ليس الأنسب لها
نشوة الحركة الهندسية في تمرِّدها على الجاذبية
قليل من كثير الشعور الذي رافق كتابتي محتوى لقاء مختصر جداً مع المعمارية المضيئة زهاء حديد في فندق الفاندوم. خاصة اني كنت انتظر منذ زمن غير قصير، وحتى قبل نيلها جائزة بريتزكر لسنة 2004، حدوث مثله، للثراء المخزون في تجربة حرّضت منذ اولى خطواتها في
مهنة قد تكون الاصعب اليوم للفوران الشرس في الفنون والعلوم، على تفجير المنظر العام للمدن الجديدة بانزالها في المواقع الجغرافية الموكول اليها بناؤها نماذج لو نُصبت واكتملت لاحدثت عصرنة قصوى في المكان، ومن ثم في فن العمارة في ازمنة العولمة.
وبلسان ململم على نقيض موهبة اليد ومزاجية المخيلة وطلاقة التعبير، تحكي زهاء حديد كمن يقول ولا يقول، او كمن يقول ايحاء، وبما قل ودل، عن مسيرة تركت بصماتها الجارحة في عمارة غرقت منذ تياري “الباوهاوس” و”التركيبية” في المسارات المتطرفة التي تغذّت اكثر
فاكثر من انحياز العالم الى التكنولوجيات المتطورة دوماً. ومع زهاء حديد كأنك فوق رمال متحركة، فالكل متحرك، والكل في غليان، ولو تأخرت لحظة فكأن قطاراً فاتك وزمناً تخطاك. ويبقى فيك الاحساس الغريب بأنك مع معماري لم تبق لديه رغبة في تكرار افكار يصعب حصرها
في لقاء بعدما نمت تصوّراً لا يكل ورسوماً أسرت وعمارات أضحت مرجعاً في فنون زمن مفصلي لم يُبْقِ على شيء من قرن عشريني أخذت حداثاته تهرم في سرعة فاجأت كثراً.
تكرر زهاء حديد عبارات كأنها المفاتيح السرية لعالم عمارتها. تتوقف عند اضاعة الجاذبية فاعليتها التاريخية في فن العمارة. وتدل على ان افضل الادوات لتحريك اي تصميم معماري قد تختصر في عنصري التتابع والاختلاف اللذين يضمنان للمعماري بلوغ النتائج غير
المتوقعة. وترفع عناوين الاستعانة بالجديد من تكنولوجيات اليوم لتجاوز المتوارث، حتى في مجال حداثات القرن العشرين. ولا تمتنع عن ابراز اعجابها بالتركيبيين الروس في العشرينات من القرن الماضي، وان تصرفت دوماً تحت شعارات تفكيكية اعطتها كامل الحرية في التصرف
بالركائز التي تربط الاحجام المعمرة بالموقع الجغرافي الخاص بها. وتؤكد عدم انحيازها الى هذه المادة او تلك، فالزمن صناعي اختراعي بامتياز، والمواد على تجدد دائم، فكيف عدم التنبه الى كل جديد، والعمارة بالنسبة اليها بناء جديد لمدينة جديدة.
ومراراً بدا لي ان زهاء حديد قد تُفاجأ هي شخصياً بما تصل اليه زهاء حديد بعد رحلتها الطويلة في دنيا الرسم السريع، اي “الكروكي”، بحثاً عن توازنات فضائيةكانها طيارة في فضاء لا فوق له ولا تحت.
وذكية على برودة ذهنية لمّاعة هذه المرأة العربية التي اخترقت -- رغم ان لا احد يريد الاعتراف بذلك – الحواجز شبه المستحيل تخطّيها التي تعترض الانسان العربي مهما كانت حارة موهبته، في ازمنة ما بعد ايلول النيويوركي. وعبارة ترد كالشعار: تكفي ورقة في الهواء
لصنع فضاء حر يبني حجماً يخربط موقعاً في المدينة. وهكذا تبني زهاء حديد عمارة الغد.
زهاء حديد: ما تقوله صحيح، فمساهمتي في العرض تحمل بعض خلاصات تجاربي كمعمارية في مجال تفاعل البناء الذي أصممه ليحل بكامل كتلته في الموقع الجغرافي المحدد له، مع المنظر المتحوّل دوما للمدينة.
نزيه خاطر: كأنك تشيرين الى عنصر الحركة؟
زهاء حديد: ان تعمّر له معنى اولي يتمحور بدائيا حول تحريك المعماري للمكان. أما بالنسبة اليّ فلا يأخذ هذا التحريك للمكان كامل معناه إلا إذا نجحت كمعمارية في خطفه الى حداثة اكثر” تثير شكوكاً لا تحصى حول الطابع الهندسي للأبنية حوله.
نزيه خاطر: لذا ربما كان اللقاء مع الكوريغراف البلجيكي فريدريك فلامان في 1977...
زهاء حديد: بلى، وبعد تعاونه مع المعماريين الأميركيين ديلر وسكوفيديو المنحازين في شغف الى تركيب – تفكيك الفضاء المعماري والمديني...
مما يقربنا جدا من الجو الخاص بزهاء حديد، والمعروف عنك ارتكازك القوي في تصاميمك على بعض مكاسب التيار التركيبي في موسكو العشرينات من القرن العشرين، رغم التعديلات الكبيرة التي قمت بها والتي أوصلتك الى رؤية مناقضة...
- أغراني العمل مع الكوريغراف فلامان لولعه غير المحدود بالمدينة الجديدة، ولم أجد غربة ولا غرابة في مشاركته طرح الاسئلة الكثيرة حول الفضاء المتحرك دوما لمدينة تحت التكوين...
تحت التكوين في الزمن التكنولوجي؟
- والا كيف يمكن المعماري ان يخترق الجدران الثابتة والفضاءات التقليدية الى حيث يؤسس لتصور أكثر عصرنة لعمارة تخطف المكان ومنظره التنظيمي المدني لتعلن تميّزها عما يجاورها من نسيج بنائي تجعله يبدو متقهقرا مقارنة بها.
أبعد من التقنيات
هذه طريقة ذكية للّفت الى دور العنصر التكنولوجي في ايجاد الحلول لمشكلة واجهتها طويلا. وتختصرها ربما صعوبة منح شكل مادي مجسّم لتصاميم انجزتها على ورق في مكتبك اللندني.
- قالوا عني كثيرا إني أبني على الورق...
ما أرغب في استيضاحه منك، وقد اخذت علما بالحضور القوي والخصب للتكنولوجيا في عملك مع الكوريغراف فلامان في بيت الدين، يتناول الترابط المتين لديك بين الجموح الابداعي الذي يطل كأنه في موقع التحدي من اكثر الحداثات المعمارية، واللجوء القوي الى اكثر
التكنولوجيات تطورا لإعطاء هذا الجنوح فرصة عملية ليكون...
– مزاجيتي...
طبعاً، طبعاً، عشنا بعضها من لحظات...
- مزاجيتي تدفع بتصاميمي الى ابعد من التقنيات السائدة حاليا في ورش البناء، حتى تلك الورش التي لا تبخل على نفسها بالآلات المتطورة جدا...
كأنك توحين ان وراء بقاء مشاريع لك ظلت رغم نيلها الجوائز الاولى “تصاميم على ورق”، عجزاً ما في قدرة التقنيات المستعملة على انجاز هذه المشاريع.
–آخرون أشاروا الى ذلك، أما أنا فلديّ من الانشغالات اليومية ما يكفي، وأهم نقطة لي ألاّ أكرر امرا ضمن مبدأ “التتابع والاختلاف” الذي يضمن لتصاميمي حرية الاختمار بلا حدود.
معروف عنك انك تثيرين مع كل مشروع لك العواصف التي تترك أعمق الأثر في الانسان المعمار وفي مواد البناء.
- الأمر اكثر تعقيدا، خاصة أن الزمن زمن إعادات نظر كاملة في عالم البناء، ومن الركائز الى التفاصيل. ولو شاء معماري أن يتصور جديدا فهو حتما معرّض للتواجه الخصب مع آخر الاكتشافات التكنولوجية التي تنوعت وتخصصت حتى غدت تضم اجيالا. حتى ان كلمة تكنولوجيا
لم تبق تعني شيئا. ويوم كان علي تحقيق مشروع المحطة الكهربائية في مدينة وانهايم استعنت بالكومبيوتر الاكثر تطورا لوضع الحلول الدقيقة جدا للتفاصيل شبه المستعصية الخاصة بالبنية، والا ما كان الانتقال من “الكروكي” على الورق الى الحجم المبني ممكنا...
البصمة الذاتية في عصر العولمة
يقال كلام وفير عن نخبة تصادر لمصلحتها اهم العقود العالمية، ويبدو ان اسمك بين هؤلاء، واليوم لديك اكثر من مشروع في باريس ونابولي وتايوان وطوكيو وكانتون الصينية...
- إنها طبيعة العمل في عصر العولمة، والبناء في هذا الزمن، بل منذ منتصف القرن العشرين، تجاوز الفولكلوريات والبلديات والمحليات ليتزيا بالملامح المصقولة في عنف من شخصية معماري لديه “بصمته الذاتية”...
لدي سؤال حول كلام تردد كثيرا لمناسبة منحك جائزة بريتزكر 2004 عن أثر للفنون العربية، والبعض يقول للفنون الاسلامية، في تصاميمك المعمارية؟
- هم الذين يقولون ذلك، لكن هذا الأمر لا يشكّل جزءا من هواجسي، ولو حدث شيء من هذا فقد يحصل تلقائيا من كوني انسانا عربيا، فانا مولودة في العراق عام 1950، وعشت زمنا في بيروت قبل انتقالي الى لندن حيث درست فنون العمارة في معهد “اركيتكتورال اسوسييشن” قبل
تأسيسي مكتبا اصبح يضم حاليا نحو ثمانين اختصاصيا ينشطون في كل مجالات البناء.
كل ذلك في لندن، ورغم انتشار عمارتك في انحاء العالم، لم تبن شيئا في الجزر البريطانية؟
- ربما لأنهم لا يحبونني، لا أعرف...
دلّت الصحف التي غطت خبر جائزة بريتزكر، على زهاء حديد بـ”المرأة الانكليزية من أصل عراقي”.
- لا علاقة لهذا بذاك، فأنا أنا وليس لأحد ان يخبرني من أنا.
وفي العالم العربي هل من...؟
- جسر في ابوظبي.
وفي لبنان؟
- ربما...
مشروع لبيروت
هل تخبئ هذه الـ”ربما” نَعماً حذرة ؟
– بلى ، ثمة كلام بلغ حالة متقدمة حول مشروع “سيشاد” في وسط المدينة بطلب من مصرف كبير ذي حضور، وأعتذر عن تقديم تفاصيل أكثر فالموضوع سري الى الآن.
يهمنا ان تضاف عمارة من تصميم زهاء حديد الى مجموعة الانشاءات المميزة التي تزين المنظر العمراني اللبناني من طرابلس الى بيروت الى جبل لبنان...- سيحتل البناء الارض المجاورة لمصرف عودة في المحلة التاريخية المعروفة سابقا بباب ادريس مع واجهة تطل مبدئيا على
ال**** الذي يمر بين الكنيس اليهودي وعمارة بيضون المعروفة بالستاركو...
وبذلك سيضاف الى مشاريع تعود في تصاميمها الى اسماء كإيكوشار وفوجنسكي ونياماير وفيلمولّ في انتظار بناية كل من جان نوفيل وستيفن هول... وكل هذا سيؤلف مشهدا معماريا مثيرا، وسيكون في الوقت عينه، وبالنسبة الى مشروعك، جوارا حارا وتحديا جديرا بما هو معروف
عنك؟
- يأخذ البناء كامل معناه لحظة يفرض حضوره غير المتوقع في المكان، فيتحول الى عنوان يُدل الناس به على هذا المكان. ونتيجة كهذه تصنع “الحدث المعماري” الذي يحدد مكانة المعماري بين زملائه، وهذا الأمر ليس بين هواجسي التي تختصر في تنفيذ ما صممته على الورق في
أفضل ما يخدم العصب الذي يجعله ينبض نبضا بكل قامته ونسيج جلده.
لعلك تشيرين هنا الى المواد، فماذا تفضلين منها؟
- لا أحبذ تعدد المواد والاشكال، أنا أفضل اذا شئت التركيز على نوع واحد...
أي على مادة واحدة؟
- معظم المباني في مادة “الكونكريت – الاسمنت” لكن ذلك غير حصري. وضمن هذا الإطار يعجبني المعدن، لكن يجب أن يكون استخدامه متقنا جدا...
اشرت آنفا الى زمن معماري معقود على الجديد، كل الجديد...
- تعددت اليوم المواد وهذا شيء مذهل.
عالمان للعمارة
من باب الاستعادة، أين أنت حاليا مقارنة بالبدايات؟
- أعتقد ان التصاميم اصبحت اكثر تعقيدا. في البداية كان هناك في فن العمار عالمان، الاول عالم الانتاج الكبير، الذي يؤدي الى التكرار، أما الثاني فمحوره العنصر التاريخي كمفهوم للفعل المعماري. وجئنا لنقول بامكان التعاطي مع المدينة الجديدة. وفق مبدأ
المجاورة والمراكمة، فخلقنا خلال عملنا فضاء اكثر تعقيدا، وفي الوقت عينه اكثر دينامية.
أعود الى موضوع هل ثمة عنصر عربي او اسلامي في عمارتك، بلى أم لا؟
- لدي ملاحظة صغيرة اضيفها الى كلامي السابق في الموضوع. اعتقد ان هناك ترابطا ولو شكليا بين الكاليغرافي- الخط، والتجريد، مما يدفع البعض الى الاعتقاد أن السيولة المنسابة في خطوط رسومي مصدرها الخط العربي. ومن حق الآخرين ان يحللوا كل شيء على مسؤوليتهم،
وقد يكون هناك ترابط.
تتحدثين عن السيولة فيما هناك عنف تختزنه رسومك في جرأة، ومن ثم “الكروكي” الخاصة بتصاميمك؟
- اعتقد ان العمل لم يكن عدوانيا لكنه حاد، بلى حاد، انما اصبح فيه الآن سيلان أكثر. لو كان هناك فضاء دينامي فثمة ايضا الفضاء السائل والفضاء المتقطع والفضاء المفكك... وعندما تأتي هذه الفضاءات معاً في آن واحد يكبر عنصر السيولة الذي يغذي عنصر الحركة، وهو
الأهم والمصدر الرئيسي لعاملي التتابع والاختلاف اللذين يضمنان للمعماري نضارته الابداعية المعقودة على ألاّ يكرر الشيء نفسه.
نشوة الحركة
كأنك في مكان ما تختارين السير عكس التيار التقليدي الذي يبني تصاميمه على الجاذبية والتوازنات التقليدية بالنسبة الى الحجم والوزن.
- كيف السبيل الى نشوة الحركة إن لم تتمرد اولا على الحضور التاريخي لعنصر الجاذبية في العمارة؟ ولا تهمني الحركة للحركة، فهي عندئذ ذات حضور مجاني، بل ان تصنع الحركة نظاما جديدا للعمارة.
اعطني مثلا صورة بسيطة تجسم ذلك.
- يكفي طيّ ورقة لتبني حجما ولتطلق حركة في الوقت نفسه.
وفي هذا الاطار متى تفكرين ان تصورك “زبط”؟
- عندما يقترن الطابع الوظيفي بالطابع التأليفي.
وفي كلام آخر؟
- لدى بدء اي مشروع تضع طموحك امامك وتقول: يجب أن أصل الى هنا، وأحيانا هناك صعوبات، لكنك ستعلم ان كنت ستصل ام لا...
يحضرني سؤال هنا عن بيروت: ستعمرين في بيروت، فهل تحبين ذلك؟
- لم أزرها جيدا، لا استطيع الاجابة... غير ان ما كان يعجبني في بيروت قديما هو “شربكة” المدينة، فتنظيمها كان مختلفاً، لم تكن على شكل كورنيش...
تقصدين كما هي حالياً.
- تنظيمها كان مختلفاً بالنسبة الى البحر. واظن انهم خلال مشروع الترميم اعتمدوا حلا غير ما كانت عليه، وأنا شخصيا لا أظن انه الحل الأنسب لمدينة كهذه، أي “مشربكة”.
في الموقع الذي تعمرين فيه “تخربين” ايجابيا الفضاء السائد مهما كانت ملامح وطبيعته، لذا اعود الى سؤالي عن الموقع الذي ستتدخلين فيه معمارياً.
- اعتذر عن تقديم معلومات غير مسموح بعد اعلانها.
حسنا، سؤال اخير: نلت جائزة بريتزكر لهذه السنة 2004، وانت اول امرأة تنالها وهي الجائزة الاكبر والاهم في عالم المعماريين. في بساطة ، ما شعورك؟
- السعادة، في كل بساطة، السعادة. خاصة أني لم أفكر فيها حتى آخر لحظة. في صراحة، أنا سعيدة.
نزيه خاطر
النهار
http://www.arabkom.com/up/uploading/P18-02-22059.jpg
جسر الشيخ زايد