مشاهدة النسخة كاملة : العمارة الخليجية المعاصرة.. وأخطاء النسخ من عمارة الغرب


Civil Engineer
19-09-2004, 03:27 AM
العمارة الخليجية المعاصرة.. وأخطاء النسخ من عمارة الغرب

د. علي ثويني

لم يحدث في ماضي المدن أن اتسع إيقاع عمرانها مثلما هو حادث خلال نصف القرن الأخير في منطقة الخليج العربي، والذي كان سببه الطفرة النفطية التي جلبت معها الرفاهية وحالة جذب بشري متوافق مع ناموس البشر في الانتقال وراء الرزق الوفير. كل هذا اقتضى توسعة المدن الموروثة أو تعمير مدن جديدة. وبالترافق مع حالة الجذب البشري، دخلت مشارب بنائية فسيفسائية أحضرت معها الخبرة من أوطانها. وكانت الحظوة فيها للغرب صاحب الغلبة حتما إبان وبعد الفترة الاستعمارية والذي شدت من أزره حالة الكساد الحضاري الذي سببته الفجوة الحضارية بين الماضي والحاضر والحاجة إلى ملء الفراغ، فجاءت متجسدة بمدن غربية داخل بيئة عربية.

لا يلام في تلك الإشكالية أهل الخليج حتما، فقد عانت ولا زالت مجتمعات عربية أقدم شأنا
وأعمق جذورا في الحضارة من نفس هذا الإشكال، وقد يكون عسر الحال أو الأوضاع غير المستقرة في هذه البلدان وراء حالة الضياع العمراني والاجتماعي. ويدور في هذا السياق لغط وغمز مصدره الأسئلة عن كون ظهور النفط في البلدان العربية وانعكاساته على مجتمعاتها ومن ثم عمرانها نعمة كان أم نقمة؟، وهل يلام الغربيون في إسفافهم بموروثنا؟..

إن ذلك السؤال يتطلب المراجعة والموضوعية في التقييم، ومهما يكن من أمر فإن الغربيين ممثلون صادقون عن أعرافهم الثقافية ورفعة حالتهم الحضارية ولا يمكن أن ننتظر منهم البديل حتما.

لم ينفق الخليج في التاريخ من تدخل الإنسان وصناعته للحضارة في الفترة التي أعقبت جفاف الجزيرة العربية في الماضي السحيق، فقد وجدت آثار في البحرين (حضارة دلمون) التي تعود لأكثر من خمسة آلاف عام ق.م، وبقايا في الإمارات العربية تعود لثلاثة آلاف عام ق.م، وآثار جزيرة فيلكة الشاهدة على السومريين، ثم حلول الاسكندر فيها عام 330 ق.م، وبقايا ولقى أثرية في السلطنة، ويمكن أن تكشف لنا الأيام المزيد مستقبلا، والمهم هنا أن الحضارات الكبرى في العراق القديم ومصر واليمن والهند كانت على مرمى حجر منها ولم تنقطع السبل بينهما فقد كانت تقع على شوط الطريق بينهما وليس من العقل أن تجذب من تأثيراتهما.

وفي العصور الإسلامية شهدت المنطقة الحظوة ونشوء الدويلات فيها، وفي الأزمنة المتأخرة ظهرت الدولة اليعربية ثم البوسعيد في عمان ومن ثم امتداد سطوة بني ياس والقواسم في رأس الخيمة في وسط الخليج وامتداد سلطة المنتفق من الفرات الأوسط في العراق إلى أجزاء منها، وظهور البيوتات والمشايخ كـ آل صباح وآل خليفة المتحدرين من بطون قبائل عنزه البدوية وظهور الحركة السلفية المتمثلة بالوهابيين منذ أواسط القرن الثامن عشر.

والجدير ذكره هنا هو عدم ظهور مدن عامرة خلال هذه الحقب تطير أسماؤها في الآفاق والذي تبعه ما شهدت عليه المنطقة من المد الاستعماري البرتغالي والهولندي ثم الفرنسي والبريطاني التي لم تقم بنشاط حضاري يذكر غير مراكز العبور، وما تركه البرتغاليون من قلاع (كوت) تحميهم من الخطر المتربص بهم.

وتنتمي منطقة الخليج إلى مدرسة الجزيرة العربية المعمارية وفي «العربية» نجد أربع مناطق مميزة للعمارة إحداها في نجد والصحراء، ثم الحجاز، ثم اليمن وأخيرا في الخليج. فابتداء من الكويت التي يكون التأثير المعماري فيها مشتركا للمدرستين الصحراوية النجدية والعراقية ـ الإيرانية نظرا لاختلاف البنية الاجتماعية وميل كل تجمع فطريا وسيكيولوجيا باتخاذ المنحى الأصولي لها، ولا شك بأن النقاش في الريادة والأفضلية، ومقدار المواءمة يدخلنا في حيثيات يثار فيها الغمز والجدل، ولكن للأمانة فان لمصدريهما كبير الفضل في التأقلم مع البيئة المناخية الحارة الرطبة للمنطقة.

ونزولا إلى البحرين وقطر والإمارات، نرى أن المدرسة الإيرانية تأخذ مدى اكبر لأسباب منها تاريخية، واجتماعية، أو مذهبية أحيانا مع ملاحظة دخول منافس جديد على الساحة وهو التأثير القادم من المدرسة الهندية التي جاءت لأسباب تاريخية، ومن ثم بشرية، ونجده قد تكرس بعد الطفرة النفطية.

وعندما نحل في عمان نجدها جلية أكثر والذي لم يتأثر بنفس القدر بالعمارة اليمنية المتاخمة له والظاهر بأن العمارة الآتية من البحر تلج أسهل من القادمة من البر.
ولقد استعارت العمارة هنا برج الهواء أو الملقف (البادكير) والبناء الصرحي المنمق المبنى بالآجر والمغطى بالقاشاني من العمارة العراقية والإيرانية أو البناء ذي الصفة الزاهدة من الحيطان الطينية البسيطة القادم من العمارة النجدية الصحراوية. أما من العمارة الهندية فقد أخذت بعض الأشكال المعمارية والهيكلية في معالجة العقود والقباب وكذلك بعض المسحات الفنية في المعالجة الزخرفية واللونية لعناصرها.

ومع الطفرة النفطية ظهرت المدن التي هي غريبة عن تلك الموازنة التقليدية قادها الغربيون المنحدرون من بيئات شمالية باردة وجلهم من النصارى والمتحررين اجتماعيا. وبذلك بدأت القطيعة مع الماضي الذي تكرس في الابتعاد عن الحلول المنطقية للمشاكل البيئية والاجتماعية حتى بدأ النشاز يظهر جليا بين بيئة اجتماعية محافظة وطبيعة صعبة المراس مع عمارة انفتاحية متحررة وشفافة، تبنى بمواد لا تحتمل بيئتها من الاسمنت والزجاج.

ويمكن أن يكون الحديث في التناقض بين واقع العمارة والعمران مع الوضع الاجتماعي مجلبة للصداع. أما في ما يخص بيئية العمارة فقد حل المكيف الكهربائي بدل البادكير وحلت الخرسانة المسلحة أو الحديد والحيطان الزجاجية بدل البناء بالطين أو الحجر المرجاني المتعارف عليه في سواحل المنطقة والاسمنت بدلا عن (الساروج) المستعمل في المونة.

وقد علق المعماري العربي حسن فتحي على ذلك التناقض قائلا: «تصور أعرابيا بلباسه التقليدي والحطة والعقال، جالسا في كنف جدران زجاجية في صحراء السعودية أو الكويت اللاهبة. إن مثل هذا البيت يمكن أن يجذب الأشعة ما فوق البنفسجية، فجدار زجاجي بثلاثة أمتار مضروبة في ثلاثة أمتار لأشعة الشمس يدخل ألفي كيلو سعرة حرارية في الساعة. وقد شكا لي مدير مركز الأبحاث العلمية في القاهرة مما يعانيه حيث انه لا يستطيع البقاء والعمل في هذا المركز، لأن جدرانه من الشرق والغرب زجاجية مما يضطره إلى إغلاق النوافذ».

لقد اخذ هذا التيار في العمارة الحظوة خلال حقبة النفط حتى السبعينات عندما بدأت بوادر شعور بهذا التناقض الملموس، فبدأت تعد العدة لمواءمة هذا الانقلاب العمراني مع العمارة العربية المحلية وتجسد هذا المنحى خلال مجموعة من الأهواء والمشارب يمكن تحديد خطوطها العامة إجمالا:

1 ـ منحى اسماه المعمار العربي رفعت الجاد رجي بـ (الكروتيسك) أو ما يعني حرفيا (الكهفي) أو مجازاً (الغرائبي) ولم يتوان عن وصفه بالمضحك المبكي لخلاسيته وخلطه بين العناصر التراثية والشعبية بأسلوب طرح فوضوي وبدون ضوابط أو معرفة أكاديمية حقيقية. ويعود سبب ولادة هذه الظاهرة إلى إسناد مشروعات معمارية كبرى في الخليج إلى شركات هندية وباكستانية بمبرر حسابات الربح والخسارة وانخفاض التكاليف. وقد انتهكوا تراث المنطقة المعماري إلى حد إقامة منشآت يصل حد القبح فيها إلى (اللامعقول).

2 ـ المنحى (التشويهي) أو المؤذي المعتمد على التقليد «الببغاوي» وهو يقوم على تقليد العمارة الأوروبية وإشباع متطلبات نفعية ولكن مع تجاهل كل الجوانب الإنسانية والاجتماعية وطرده للعمارة التراثية وإحلال عمارة رديئة محلها مما سبب وبالا على الطابع العام المتأصل للمدن.

3 ـ المنحى التلاقحي بين المنحيين الأول والثاني أي الغرائبية منها والببغاوية.

4 ـ المنحى (الوظيفي) العادي الذي هدفه تحقيق إشباع في الجدوى المنطقية للبناء ولكنه يتجرد من أي إضافة.

5 ـ المنحى (المنمق) وهدفه المنشود هو بعث معالم التراث المعماري الإسلامي والتخفيف عن اثر المناحي السابقة ومصدر ذلك هو الرغبة في إغناء العمارة المعاصرة بعناصر ذات مسحة تراثية والتي تقع على الأكثر في دوامة التكرار والحشو الذي يؤدي بدوره إلى مأزق الغلو والمبالغة والأنماط المتفاقمة الطاغية إحداها على الأخرى والمضيعة لقيمتها الجمالية.

6 ـ المنحى (العالمي) الذي يقوده معماريون على درجة من الكفاءة والموهبة والتحضير المهني المتعلق بأساليب الإظهار والجذب الجمالي ويدخل ذلك في إطار المسار العام للعمارة العالمية ويتناسب مقدار تعاطفهم مع العمارة المحلية بقدر قبول المدرسة التي ينتمون إليها. وتجسد منذ الخمسينات وكانت الكويت مخبرا له ثم تكرر في ما بعد في كل الخليج بعد ظهور تيار (ما بعد الحداثة Postmodernism) الذي أعطى بعض الحرية في انتقاء أشكال العناصر التراثية تماشيا مع المنحى الفكري العام المساير للثقافة السائدة خلال ثمانينات القرن العشرين.

7 ـ المنحى (المحلي) الذي يجاهد عناصره في إيجاد عمارة محلية إسلامية الروح ولكن هؤلاء وللأسف يمثلون قلة غير ذي اثر عميق أو ما ندعوه (الاستثناء الذي يؤكد القاعدة) والذي سوف نراهن عليه في مستقبل الخليج المعماري. ومن خلال معاينة لقدر المدى الكمي والنوعي لمحاولة تكريس هذه الخصوصية المعمارية والتي يمكننا تصنيفها من خلال ثلاث فترات زمنية مميزة وهي:

8ـ فترة الصدمة النفطية والانبهار بالغرب وحيازته على كل الحظوة وهيمنته على كل ما بنى وقد استغرقت تلك حتى حلول سنوات السبعينات وأواسطها.وتبدأ في نهاية الستينات وخلال السبعينات وبغرض الارتباط بالمحيط العربي الذي تزامن مع منطلقات فكرية «عروبية» فقد استعيرت التصاميم المنفذة في البلاد العربية مثل مصر والشام ولبنان والعراق وتكرس خلالها نوع من الغزل مع عمارة البحر المتوسط، وتبدأ في الثمانينات وحتى اليوم والتي ركزت على احياء التراث المحلي ومحاولة الوصول إلى عمارة حديثة وبسيطة والذي يبشر بالعناصر الصاعدة الواعدة.

وعروجا على العمران الخليجي الذي تمثل المراكز التاريخية في الكويت والمنامة وبستكية دبي ومدينة مسقط العتيقة أحسن مثال على عقلانية العمارة فيه والاستثمار الأمثل لمواد البناء وتوجيه البنايات، حيث تلعب حركة الريح العامل الحاسم الذي يقتضي تناثر البناء واختيار الخطوط المستقيمة للشوارع وعدم البناء المتضام وحماية الممرات من الشمس وعدم التطاول في البناء الذي يمنع حركة الريح.

أما في توجه المباني فيستحسن فيه الاستطالة شرق غرب الذي يسهل عملية التهوية وتساعد الشرفات والمشربيات (الشناشيل) والممرات الخارجية المظللة بالاستفادة من حركة الهواء الأفقية وتساعد أبراج الهواء (البادكير) أو بيوت السلم في حركة الهواء العمودية الملطفة لحرارة المبنى. ويمكن اخذ مثال مدينة العين في الإمارات كقدوة حسنة بعد أن شهدت تطورا عصريا مضطردا نقلها من كينونة الواحة الوادعة الساكنة في الصحراء، إلى مركز حضري. وهي الوحيدة التي استطاعت أن تحافظ على الحد الأدنى من الخصوصية المعمارية وتطبق بلديتها قوانين صارمة بالمحافظة عليها.

وتعاني بيئة الخليج عموماً من شحة الماء والحرارة المفرطة والرطوبة وملوحة الهواء المؤدية إلى تآكل هياكل البنيان، خاصة الخرسانية منها. ويتخذ المنحى المعماري المكرس للحالة المحلية، طابعاً مصيرياً لها وذلك من اجل الأجيال القادمة التي سوف لن تجد النفط لتبتاع ما تحتاج إليه ولكنها ستكون في أمس الحاجة إلى مدن ومعالم معمارية تحتمل صعوبة الظروف البيئية ولدينا في ذلك حل مثالي يردنا من خزين الأعراف البنائية الآيلة للاندثار وهو الذي سوف يضمن لها الاستمرار وعدم العودة إلى ما كانت عليه قبل عصر النفط، وان ذلك سيحل آجلا يقدر له ليس بأكثر من خمسين عاما وهذا موعد قريب مع القدر وان ناظره لقريب.

نور الهدى
19-09-2004, 05:52 PM
أخي المهندس محمد حماد
بوركت والله يا أخي علىهذه الجهود الجباره اللتي تقوم بها
وأتمنى أن تكون لك في ميزان حسناتك
وكثر الله من أمثالك

الله يعطيك ألف عافيه
نور الهدى